التاريخ:
الأحد 24 أغسطس 2008

درويش عندما يبوح



عبدالوهاب قتاية

كانت الانتفاضة التاريخية العظيمة فى أواخر الثمانينيات بمشاهدها المروعة والنبيلة أيضًا تملأ أسماع العالم وعيونه ووجدانه، وتشق فى الظلام نوافذ أمل فى أفق المستقبل. وكانت ندوب الترحال الطويل الأليم تتراءى على ملامحه الوديعة الجميلة. وكانت حكمة التجارب الفنية: الحياتية والإبداعية، تتجلى أفكارًا ناضجة أصيلة، وقناعات وخلاصات واعية جريئة، ولغة شاعرية مبينة وموحية معًا. فى تلك الأجواء جرى هذا الحوار، يحثه شوق عميق يملأ جوانحى نحو صديق كان من حظه أن يكون من أوائل من استقبلوه ورافقوه فى القاهرة حين حط رحاله فيها سنة 2791. وحين عبرت له ـ فى بدء الحوار الذى كان بوحًا ـ عن هذا الشوق وشوق المشاهدين إلى رؤيته والاستماع إليه، كان جوابه: ـ وأنا فعلاً متشوق منذ زمن بعيد إلى مثل هذا اللقاء على مستويين: على المستوى العام لألتقى بالإخوة الأحباء فى الخليج العربى، وعلى المستوى الخاص لكى أجدد معك علاقة قديمة نسجناها معًا فى أيام جميلة فى القاهرة. { الواقع أننا نشعر بأننا معك أمام تجربة غنية لها جوانب كثيرة كل منها جدير بحديث خاص، ولكن لعل الجانب الذى يشدنا أكثر ويفرض نفسه كبداية هو المشهد المعاصر فى الأرض المحتلة: الانتفاضة الثورية.. هذه الانتفاضة، بم توحى لـ «محمود درويش» من أفكار ومشاعر؟ }} فى الحقيقة اختيارك لنقطة البداية هو الاختيار الضرورى، لأن الانتفاضة فى الحقيقة هى عودة البدايات إلى بدايتها، إننى أشعر بكل صدق بأن الانتفاضة تجدد ولادتى، وتفتح ساحة العمر على كل التفاصيل الأولى لحياتى الشخصية وحياتى الوطنية، طبعًا الانتفاضة ليست انفجارًا آليا، وليست حركة عفوية، بل هى انفجار تفاصيل وتراكم من المخاض الوطنى للشعب الفلسطينى نتيجة معايشته القاسية للاحتلال الإسرائيلى الطويل. وعلى المستوى الشخصى تثير الانتفاضة فى، كما قلت ميلادًا جديدًا، وتجدد صلة حلقات العمر بعضها ببعض، وتستفز فى الكثير مما تغير، ومن وسائل التعبير، وتعيد الإنسان إلى الغناء الأول.. إلى البيت الأول.. إلى الأداة الأولى.. إلى العاطفة الأولى، لأن الانتفاضة هى إشهار لكل ما هو أول فى الإنسان، حتى سلاحه، فالحجر هو السلاح الأول الذى قاوم به الإنسان الأول الوحش الأول على باب الكهف الأول. والانتفاضة بهذا السلاح طرحت على فكر العدو الإسرائيلى الأسئلة الأولى حول التكوين الأول للكيان الإسرائيلى، كذلك تشهد الانتفاضة أسئلة أولى حول خطابنا الشعرى وخطابنا الوطنى وخطابنا الثورى من ضرورة العودة إلى المسار الأول للأمل والإيمان المطلق بحتمية الانتصار فى معركة ليس هناك ما هو أكثر عدالة منها، ولكن المفارقة هى أن هذه العدالة تحتاج إلى برهان يومى. هذه الانتفاضة طرحت على الوعى العالمى أيضًا بساطة السؤال الأول، صحا العالم فجأة من نوم، وإذا به يشهد ويعترف بأن تحت إسرائيل هناك فلسطين، وأن هذا الوطن الفلسطينى فيه شعب اسمه الشعب العربى الفلسطينى، وبأن إسرائيل ليست أكثر من كيان احتلال. طبعًا نحن نحتفل بهذا الاكتشاف الإنسانى الجارح، لأن على العالم أن يعرف تمامًا حقيقة ما يجرى فى أرض فلسطين، لكن الوعى تأخر، واستفاق أخيرًا على أن الحقائق متوافرة وموجودة لمن يريد أن يسمع وأن يرى. كل هذه الحقائق فعلاً تعيدنا إلى بدايات المسألة، وتحيى فينا بدايات الطريق إلى فلسطين، الطريق إلى فلسطين كانت تحوم حول فلسطين إلى أن وجدت فلسطين ذاتها فى ذاتها فى وطنها، وطبعًا من نافل القول التذكير بأنه لولا تشكل الهوية الفلسطينية الوطنية والسياسية فى كل مكان، ولولا التضحيات الكبيرة التى ضحى بها الفلسطينيون فى الدفاع عن هويتهم الوطنية وعن وجودهم الإنسانى البسيط.. لولا ذلك لما حصل هذا التراكم الذى عبر عن نفسه بانفجاره العظيم فى هذه الانتفاضة العظيمة. { بهذا الشعور المفعم بالأمل، كيف ترى آفاق هذه الانتفاضة؟ }} الانتفاضة تفتح أمامنا آفاقًا جديدة ورحبة، نشعر معها ـ وعندنا كل الأسباب لأن نشعر ـ بأننا مادمنا قد وجدنا الطريق إلى الوطن على أرض الوطن، فإن الحرية قريبة. وقد تكون أحيانًا نهايات أى شيء أطول من بداياته، لكننى أعتقد أن الانسحاب الإسرائيلى من الأرض المحتلة قد تم على المستوى النظرى.. قد تم فى الوعى العام العالمى، وتم أيضًا على مستوى التشكك الإسرائيلى بالذات.. إن الإسرائيليين يسألون الآن أسئلة كان عليهم أن يسألوها منذ زمان، ولكنهم تأخروا فى طرحها.. يسألون عن حقيقة وجودهم، وعن حقيقة وجود الشعب الفلسطينى الذى يعبر عن عدالة قضيته بأكثر الأسلحة بساطة وتعبيرًا.. إذن نحن نعيش على منعطف تاريخى، ونعيش فى سياق الانسحاب الإسرائيلى.. نعيش فى سياق حق الشعب الفلسطينى بتقرير المصير.. ونعيش فى سياق نشوء الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض فلسطين. { هذا على المستوى العام، فماذا عن المستوى الشخصى لـ «محمود درويش»؟ }} على المستوى الشخصى أشعر أن كل أحلامى وكل آمالى وكل تعرجات المزاج الشخصى والفنى لم تذهب سدى.. كل ما قلناه وما فعلناه.. كل نقطة دم سفكت على باب مخيم، وكل كلمة قيلت فى تمجيد الأمل، أثمرت الآن هذه الثمرة العظيمة.. هذه الانتفاضة التى نعلق عليها كل آمالنا، ونشعر بأنه لا رجعة عنها إلا بالنصر. { حسن ـ وقد عدت بنا إلى البدايات ـ اسمح لنا بأن نقترب أكثر، وأن نعود معك إلى «البروة» وإلى «حيفا»، حيث عشت الطفولة والصبا والشباب الباكر.. ماذا أعطتك البروة وحيفا؟ }} كما قلنا فى البداية: الانتفاضة فتحت أمامى كل أبواب البيوت الأولى وحتى المهدمة منها.. أنا ولدت فى قرية «البروة» وعشت فيها خمس سنوات لا أكثر، وشهدت عملية الرحيل أو التهجير الفلسطينى الأولى عندما احتل الجيش الإسرائيلى هذه القرية الساكنة على رابية صغيرة فى سهل عكا، وهى نقطة البداية فى تعرج جبال الجليل وصعودها نحو الشمال تحيط بها أشجار الزيتون الممتدة.. وأذكر من عملية الاقتلاع الأولى تلك الرحلة الليلية فى تلك الغابات الموحشة، حيث تحول الزيتون الأخضر إلى سواد فى الليل بلا ألوان، وأذكر أيضًا كيف استطاع الفلاحون سكان القرية والقرى المجاورة تحرير القرية من الجيش الإسرائيلى، وسلموها إلى جيش الإنقاذ، الذى قام بدوره بتسليمها إلى قوات إسرائيل، من تلك الفترة انقطعت صلاتى بـ «البروة»، وهاجرت مع أهلى إلى لبنان، وكان أهلى ـ وجدى بالذات، يعتقدون أنهم فى رحلة قصيرة مادام جيش الإنقاذ قد تعهد بتحرير البلاد وشجع بعض سكان القرى على الرحيل من أجل إفراغ المسرح للعمليات العسكرية، فكان جدى يعتقد أن إقامته فى لبنان هى إقامة مؤقتة ومسألة أيام يعود بعدها إلى فلسطين المحررة، لكن خاب هذا الظن، وبعد عامين من الإقامة فى لبنان يئس جدى من الخبر الذى ستزفه له الإذاعة، وعرف أن الأمل بعيد وأن البلاد قد تم احتلالها، فتسلل ونحن معه تحت جنح الظلام عائدين إلى المكان الذى شكل فى تلك السنة ما يشبه فردوسنا المفقود، وكان كل ما نتعرض له فى المنفى العربى الأول يجد شكله المعاكس فى تلك العودة إلى مسقط الرأس.. قرية «البروة»، ولكن فوجئنا بعدم وجودها، فقد وجدنا أنقاضًا.. وجدنا بقايا كنيسة، وقد تم تدمير القرية تدميرًا كاملاً، ونقلت حجارتها إلى مكان آخر، وأقيم على أنقاضها «كيبوتان»: واحد للمهاجرين من ألمانيا، والآخر للمهاجرين من اليمن، وهكذا فى تلك الفترة عشنا لاجئين فلسطينيين فى فلسطين، وتحولت «البروة» إلى ندبة فى الروح، ووجع دائم فى الذكريات، وهذا كان مصير مئات القرى الفلسطينية التى تم تدميرها ومسحها من على الخريطة وإنشاء مستعمرات إسرائيلية مكانها. هذه القرية تشكل لى حتى الآن الضوء الأول.. القمر الأولى.. بئرى الأولى.. الشجر الأول.. وكل ما هو أول يعنى هذه القرية.. ولكننى أشعر بأننى تبنيت مكانًا آخر، فمنذ صباى الباكر أقمت فى «حيفا»، و«حيفا» كانت نقطة انطلاقى الأولى فى عملى، حيث عملت فيها صحفيا فى البداية، وتشكلت فيها مقوماتى الثقافية الأولى، وانخرطت فيها أيضًا فى صراع الوطنية والسياسة المبكر، ومازلت أعتقد ـ وأرجو عندما أعود ألا يهتز اعتقادى ـ أن «حيفا» هى أجمل مدينة فى العالم، وقد سماها أحد الفاتحين الرومان «أنف الغزال»، لأن الجبل يدخل البحر شبيهًا بذلك، وقد يعود هذا الجمال إلى تصور الجمال، أى النظر إلى أمر معين هذه النظرة الشاعرية، لكننى أعتقد أنها أجمل المدن على هذه الأرض. { فماذا أعطتك حيفا بجانب شعورك بجمالها؟ }} فى حيفا أنتجت إنتاجى الأول، وأصدرت مجموعتى الشعرية الأولى، وفيها سجنت وعرفت أول سجن، وأول قصيدة وأول حب، وكل ما يشكل الإنسان من مقومات، وما يحدد بوصلة شمالى الثقافى والعاطفى تشكل هناك فى مدينة «حيفا»، وأشعر أن «حيفا» هى مدينتى، أى أننى تبنيتها، ولذلك هى مرجعيتى الجمالية الأولى، ومازالت هى وطنى الأول، وحين اضطررت إلى الرحيل عنها عام 0791 شعرت بأننى أنسلخ عن ذاتى ونفسى. لقد أعطتنى «حيفا» الكثير الكثير.. أعطتنى الحساسية الأولى بالألوان التى تهيمن على شعرى حتى الآن.. أعطتنى اختلاط الأزرق البحرى بأخضر الشجر.. أعطتنى تناقضات الأشياء، ففى جنة هذا الجمال كان جحيم المطاردة الإسرائيلية.. فكانت البيت والسجن معًا، وهى كانت الحرف الأول.. وكانت الخطوة الأولى فى مسيرتى الشعرية التى مازلت متورطًا بها حتى الآن ولا أعرف متى أنجو منها.. يعنى هى سببت لى هذا الداء الذى أحرص على ألا أشفى منه أبدا. { فى تلك المرحلة أنت ورفاقك من شعراء المقاومة فى الوطن المحتل قدمتم عطاء شعريا تلقفته الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج واحتضنته ووجدت فيه شيئًا جديدًا.. كيف كان صدى ذلك لديكم؟ }} لابد قبل الدخول فى هذه الذكرى أن أعترف ولأول مرة، وعلى مرأى من الناس، بأنه فى تلك اللحظة التى تم فيها اكتشافنا ـ نحن الشعراء الذين كنا نكتب فى الأرض المحتلة ـ تم أولاً اكتشافنا كشعب، للأسف الشديد، صحا العالم العربى بعد هزيمة 7691 على وجود واقع عربى تحت الاحتلال الإسرائيلى، طبعًا هذه الصحوة أوجدت فينا ـ فى البداية ـ المرارة، وكانت كأنها تعبير عن مستوى آخر من مستويات الهزيمة، وهو المستوى المعرفى، يعني: كيف لم يعرف العالم العربى، وكيف لم يعرف المشروع القومى الكبير فى ذلك الوقت حقيقة وجود عرب فى وطنهم فلسطين؟ لكن الجانب الآخر.. جانب الاعتراف الشعرى بوجودنا أوجد فينا حقيقة حوافز جديدة للعمل، وأوجد فينا إيمانًا بفاعلية دورنا، نحن كنا أولادًا صغارًا نكتب.. يعنى لم نكتب الشعر وإنما كنا نعبر عن أنفسنا.. نعبر عن حياتنا.. ننتصر على ما حولنا بما فينا من طاقات روحية.. ننتصر على هذه الدولة التى حطمت أو حاولت أن تحطم المشروع القومى.. ننتصر عليها بأغنيات بسيطة تتحدى، كنا ننشد لأنفسنا ولم نتوقع أن أصواتنا ستصل أو ستحرك شيئًا ما فى شقنا الثانى.. فى نصف قلبنا المقطوع خارج الحدود، ومن هنا كان فرحنا بأنفسنا، وباعتراف إخوتنا العرب بنا، فرحًا كبيرًا، حتى لو كان ينطوى على كثير من المبالغة.. وأنا أقول: فى تلك المرحلة صور الشعر الفلسطينى المكتوب فى الأرض المحتلة على أنه البديل لكل الشعر الذى يكتب فى الخارج، وهذا طبعًا كان مبالغة. { نذكر أنك كتبت إزاء ذلك قائلاً: «ارحمونا من هذا الحب القاسي». }} نعم، وكان ذلك فى افتتاحية فى مجلة «الجديد»، وذلك لأنه أولاً ليس صحيحًا، نحن عبارة عن رافد من روافد الشعر العربى الحديث، وعلى العكس ـ على المستوى الفنى ـ كنا أقل أهمية مما حققه مشروع الشعر العربى الحديث فى الوطن العربى، لكن اهتمام حاسة الحاجة إلى صمود معنوى أكبر لدى الإخوة العرب هو الذى ضخم أهمية هذا الشعر.. كان الجانب الوطنى فيه والمعنوى فى القصيدة مرجحًا على الجانب الفنى، ومع ذلك حملنا هذا الاهتمام مسئولية تطوير أنفسنا، فلم نعد نكتب كتلامذة المدارس، فقد كانت الأضواء مسلطة علينا، فكان علينا أن نكون جديرين بهذا الاهتمام، ومن هنا كانت هذه الموجة.. موجة التمجيد للشعر الفلسطينى فى الداخل حافزًا لكى نطور أنفسنا، ولا نكتفى بأن تحاور قصيدتنا السجان الإسرائيلى، بل عملنا على أن تحاور أيضًا المستوى الإبداعى فى القصيدة العربية، حاولنا أن نزاوج بين فاعلية القصيدة وجماليتها أى الجانب البريء من الشعر وهو الجانب الإبداعى الذى لا غرض له إلا الإبداع، أصبح هاجسنا: كيف تتحقق الفاعلية مع الجمالية فى القصيدة.. ودخلنا وقتها مرحلة السجال على مستوى البحث الشعرى نفسه، وكانت المعركة بالطبع صعبة، لأن الحوار قبل ذلك كان واضحًا ومحددًا ونهائيا: بين السجين والسجان.. كانت العلاقة أنا وأنت.. أنا صاحب الوطن وأنت المحتل.. أنا السجين وأنت السجان، وبالتالى كان التعبير عن ذلك تعبيرًا بسيطًا وواضحًا. الآن أنا أشعر بشوق شديد إلى إعادة صياغة هذه البدايات شعريا، وأنا مشغول منذ أشهر بإعادة كتابتها بطريقة غنائية أكثر نضجًا من الطريقة الأولى، أى أننى أعلنت تمردى على التجريبية فى القصيدة وأسعى لإبداع الوطن بكتابة الغناء الأول الذى حركته فى نفسى الانتفاضة. لقد أعادتنا الانتفاضة ليس فقط إلى سيرتنا الذاتية، وإنما أيضًا أعادت فينا الحنين إلى مطلع النشيد الأول.. مطلع الأغانى الأولى البريئة العفوية. { نواصل الرحيل معك.. حيث كانت المحطات التى تلت البروة وحيفا هى القاهرة وبيروت وباريس حاليا.. وما من شك فى أن كلاً منها أخذت منك وأعطتك.. ونبدأ بـ «القاهرة». }} القاهرة هى أول مدينة عربية أراها فى كل حياتى، ومازلت محتفظًا حتى هذه اللحظة بالانفعال الشديد الذى سبق لقائى بها.. كنت محتقنًا بالمشاعر والتناقضات والتوقعات إزاء دخولى الأول مدينة عربية. أول ما لفت نظرى أننى سمعت كل الناس فى القاهرة يتكلمون باللغة العربية، هذا طبعًا لا يثير دهشة أحد، ولكن يثير دهشتى أنا.. لأننى قادم من مدن كلها محتلة وكلها تتكلم اللغة العبرية، وقادم من مدن أوروبية تتكلم لغاتها الأجنبية، فكانت القاهرة أول مدينة أراها تتكلم كلها باللغة العربية وأسماء شوارعها باللغة العربية.. كانت مواجهة، وكأننى ألقى بى دفعة واحدة إلى جذور تاريخى الثقافى كله. وفى القاهرة التقيت كل الأدباء الذين شكلوا مقوماتى الثقافية والعربية.. كل كاتب عربى هو مصرى الثقافة.. عاصمة الثقافة العربية بمبدعيها ومفكريها وأدبائها هى مصر.. وقد كان انفعالى شديدًا حين التقيت الأدباء الذين تعهدوا طفولتى وصباى الأدبيين. لكن أريد أن أعترف أيضًا بأنه بقدر ما حدث لى من عودة إلى الينابيع الحية، شكلت لى صدمة أيضًا، لأننى ذهبت إلى القاهرة الفكرة، أما الواقع فقد كان أقل، خاصة كما تذكر كانت مصر تمر بلحظة صعبة. { كان ذلك فى السبعينيات؟ }} نعم فى السبعينيات، وكانت مصر الرسمية تعد نفسها لانعطاف.. كانت تعد نفسها لنسيان المشروع القومى الذى قاده جمال عبدالناصر، وكان ذلك واضحًا فى كل المعالم، كان النظام المصرى الجديد يعد الداخل المصرى لعملية إبادة ذاكرة قومية ارتبطت فيها كل أبناء الأمة العربية بأملهم العظيم، فكانت صدمتى كبيرة بتفاصيل لحظة الانعطاف الذى وصلنا إليه.. ومن هنا كان صعبًا على الاحتفاظ بتوازن ما لا يتوازن فى تلك اللحظة، وهكذا كانت إقامتى فى مصر قصيرة، واضطررت إلى توديعها ومِلءُ قلبى مصر بشعبها العظيم ومثقفيها الوطنيين ونيلها الملهم. أنا لم أنظر إلى النيل نظرة سياحية.. وكانت الليالى الأولى فى القاهرة مليئة بالكوابيس، لأن ما فعلته من انقطاع عن وطنى، والإقامة فى مصر كان صعبًا على المستوى الوجدانى والنفسى، فكنت أصحو من الكوابيس وأفتح الشرفة لأتأكد أن ما أراه هو النيل.. طبعا امتلأت بإيقاعات الشعر المصرى.. وكل مواطن عربى فيه نصيب مصرى ما.. كل أول فن وثقافة فينا يعود إلى مصر، ولكن مصر السياسة بعد رحيل عبدالناصر جرحتنا بقدر ما جرحت نفسها، وكنا جميعًا ضحايا التمرد على هذه الذاكرة القومية، وضحايا عملية النسيان التى جرت محاولة فرضها على الوجدان.. وطبعًا هى عملية فاشلة فى آخر الأمر، حيث لا يمكن فرض ذاكرة جديدة على شعب بمثل هذه العراقة وبمثل هذا العطاء للقضية العربية وقضية مصر الوطنية { الواقع أننى لا أنسى ما قلته حين وصلت إلى القاهرة من أنك تبتعد عن الوطن لتزداد قربًا منه، وبالفعل كان عطاؤك للوطن سخيا ومهمًا.. سواء وأنت فى القاهرة أو بعد انتقالك إلى بيروت التى شهدت أخصب فترات عطائك. }} بالفعل انتقلت إلى بيروت وانخرطت فى سياق جديد هو فى الواقع نفس السياق ولكن الأسماء تختلف القاهرة أو بيروت أو أى وطن عربى.. وهو سياق الارتباط بالفكرة والمشروع التحريرى وهو الأساس، وكلنا أمل فى أن مصر ستستعيد ـ وهى قادرة على ذلك ـ قلبها لنفسها ولنا.. وستستعيد نبرتها وصوتها. وبيروت هى أكثر المحطات كثافة فى مسيرة تاريخنا الوطنى والأدبى الحديث، ولكن أصعب شيء وهو أن تُعرّف بيروت.. هى تخدع أى زائر لها بأنه يعرفها، وهى فى رأيى من أصعب وأجمل المدن، لأن فى بيروت أكثر من بيروت واحدة، وكل واحد ينتج لنفسه بيروته الخاصة إلى حد الإطاحة بكل تلك المدن التى اسمها بيروت. { وبالنسبة للقضية الفلسطينية؟ }} بالنسبة للقضية الفلسطينية بيروت دون شك تمثل أكثف لحظات صياغة الإرادة والقرار والهوية الوطنية الفلسطينية.. فيها انتقلت القضية الفلسطينية نقلة نوعية على المستوى العربى وعلى المستوى الدولى. { وعلى المستوى الأدبي؟ }} على المستوى الأدبى كانت بيروت عاصمة كل المبدعين العرب المحرومين من أوطانهم، والذين استوطنوا وجدانيا بيروت.. أنا عشت فى بيروت ـ وهذه مفارقة غريبة أيضًا ـ نفس السنوات التى عشتها فى «حيفا».. عشت فى حيفا عشر سنوات، وفى بيروت عشر سنوات.. وفى بيروت أنتجت أكثر ما أنتجت. ولقد بدأت مرحلة الانعطاف الشعرى فى القاهرة، وتطورت هذه المسيرة فى بيروت، ولكن عندما خرجت من بيروت بعد دخول القوات الإسرائيلية، وبعد ارتكاب المجازر فى صبرا وشاتيلا، كنت أعرف أننى لن أعود إلى بيروت. بيروت مدينة ملتبسة جدًا.. بيروت هى الشيء وعكسه ونقيضه.. هى لغز عاطفى فى تاريخ العرب الحديث، وحتى تحولها إلى عاصمة ثقافية أيضًا لغز ثقافى.. هى كانت جزيرة حرية، وجزيرة ديمقراطية، عائمة على بحر معاد، وهذا ما صعب تحقق ورشة الحرية التى نشأت فى بيروت وورشة الفوضى. لقد وجد فيها الفوضويون العرب فوضاهم، ووجد فيها الأحرار العرب حريتهم، ولكن البحر الذى تقوم عليه هذه الجزيرة قد أغرقها، لأنه يبدو أنه مازال مبكرًا على العرب أن ينشئوا نظامهم الديمقراطى الحقيقى للأسف الشديد.. تلك هى عبرة بيروت.



أتى هذا المقال من جريدة العربي
http:/www.al-araby.com/docs

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.al-araby.com/docs/article2142178469.html