التاريخ:
الأحد 24 أغسطس 2008

بسبب غياب الموضوعية

غموض رحلة محمود درويش إلى مصر

نبيل فرج

تابعت كغيرى من المثقفين والقراء ما كتب عن الشاعر محمود درويش بأقلام الكتاب والنقاد والصحفيين المصريين. ولفت نظرى ليس فقط غياب الدقة والموضوعية فى حديث الصحفيين عن حياة محمود درويش فى القاهرة، فى أوائل السبعينيات الماضية، وإنما تجاهل الحقائق التاريخية الثابتة. ومع أن إقامة محمود درويش فى العاصمة المصرية لم تستغرق غير فترة قصيرة، إلا أنها كانت بالغة الأهمية فى رحلة محمود درويش إلى المجد الأدبى، أو هكذا كانت تشير الوقائع. ورغم هذه الأهمية فإن الجيل الجديد لا يعرف عنها شيئاً: كيف قوبل الشاعر المبدع على أرضنا؟ وكيف كان ينظر إلى مصر، وإلى تاريخها، وإلى حاضرها؟ وأين كان يقضى أوقاته وسهراته؟ وما هى الكتب التى كان يحرص على اقتنائها من المكتبات، والأغانى التى يحب الاستماع إليها، والمسرحيات والأفلام التى شاهدها؟ وبمن التقى من الشعراء؟ وكيف كان يتعامل مع شعراء العمود التقليدى الذين اعتبروا حركة الشعر الحر قلبا للأوضاع؟! هل كان محمود درويش بشمائله الدمثة يتقبلهم ويوقرهم؟ أم كان يضيق بهم وبجهودهم؟ وهل جادل أحدا من هؤلاء الكلاسيكيين حول الشعر والإبداع - خاصة أن له قصائد عمودية وقصائد نثرية لا تقل جمالا عن قصائد التفعيلة؟ وهل فكر أحد ممن كان محمود درويش يلتقى بهم من الأدباء أن يهدى إليه الورود، أم كان «الورد أقل» مما يستحق هذا الشاعر؟! وهل وجد محمود درويش تحت سماء القاهرة ما كان يبحث عنه؟ وهل عرف أحد من أى نبع استقى هذا الشاعر العالمى رؤيته الفنية وتعبيره الصافى، وتواضعه؟! وما هى الذكريات التى حملها معه عندما غادر القاهرة بعد هذه الإقامة القصيرة؟! ومع أنى كنت أحد الذين التقوا بمحمود درويش فى تلك الأيام البعيدة، وجلست معه فى الفندق الذى نزل فيه أكثر من ساعتين، وتحدثنا طويلاً فى الأدب والفن والسياسة، وسمعت صوته يرتفع من الهمس إلى الجهر فى كل الأمسيات الشعرية التى أقيمت له فى معرض الكتاب، فلا أملك إجابة شافية عن أى سؤال من هذه الأسئلة. لهذا بحثت فى هذه المقالات التى زخرت بها الصحف والمجلات عن هذه الإجابة الشافية. فماذا وجدت؟! وجدت تعتيما بالغا، سواء بقصد أو بغير قصد، عن هذه المرحلة. فالذين يعملون فى دار الهلال يذكرون أنه عين كاتبا فى «المصور» ولا يذكرون من قريب أو من بعيد أنه عمل فى «الأهرام» ونشر فيها قصائده ومقالاته. والذين يعملون فى «الأهرام» يذكرون أنه عمل بها. يذكرون من قريب أو من بعيد أنه عمل فى «المصور» ونشر فيه شعره ونثره. ولا شك أن أولئك وهؤلاء، سواء من كانوا فى «الأهرام» أو فى «المصور» يعرفون جيدا أين عمل محمود درويش، قبل أن يعمل معهم، أو بعد أن عمل معهم. وكانت الأمانة تقتضى ألا يتجاهلوا هذه الحقيقة. وهكذا تنعكس صراعات الصحافة القومية وحروبها الدائمة وغياب الموضوعية عن كتابات الكثيرين، حتى ونحن إزاء رحيل شاعر إنسانى من فلسطين، سجل برأس الصفحة الأولى أنه عربى، وتجاوز بحروفه وكلماته كل الحدود الإقليمية، دفاعات عن الوجود الكامل، والعدل الكامل، والحرية الكاملة، فى كل مكان. وتحت تأثير هذه الملاحظة التى قد تكون عابرة، والتى لا يذكر فيها أحدا إلا نفسه والمؤسسة التى ينتسب إليها، تذكرت كيف استبعدت من دار الهلال التى أكتب فيها من الخارج منذ 1968 لأنى نقلت مقالا لى من مجلة «الهلال» إلى مجلة «الكواكب»، بعد أن يأست من نشره فى «الهلال». لم أنقل المقال من الصحف المصرية إلى الصحف الإسرائيلية والعياذ بالله. ولم أنقل المقال من مصر إلى أحد الأقطار العربية أو الأجنبية، ليكون هناك مسوغ للإساءة أو للغضب، إن كان فى النشر فى هذه الجهات ما يشين. كل ما فعلت أنى نقلت المقال، بأدب جم، من مجلة إلى مجلة فى نفس المؤسسة، بابها على بعد خطوات قليلة من المجلة الأولى التى وعدت بالنشر وأخلفت، فنالنى ما نالنى اليأس على ارتكاب هذا «الجرم»! وليس لى تعليق على ما حدث غير أن أدعوكم فقط إلى تأمل هذه العقلية التى يرشحها الحزب الوطنى للقيادات الصحفية، وفقا لمدى ولائها للحزب والنظام وهى بسلوكها تسيء إلى الحزب، كما تسيء إلى النظام. وهذه هى الآقاق القبلية التى تتحرك فيها الصحافة فى بلادنا.



أتى هذا المقال من جريدة العربي
http:/www.al-araby.com/docs

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.al-araby.com/docs/article2142178470.html