30-11-2008     1135

 


 

اصطيـاد الرؤسـاء


د.حسن حنفي


 

كلما طالت الرءوس أو تطاولت سهل اقتطافها بتعبير الحجاج الشهير. وكلما طالت السيقان كى ترفع الرءوس سهل انتزاعها من الأرض لضعف جذورها. ولماذا تطول الهامات وكلنا لآدم وآدم من تراب؟ )وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً). وتلك حال النظم التسلطية التى تقوم على حكم الفرد الواحد والتركيز عليه. وهو ما سماه ابن رشد فى تلخيصه لجمهورية أفلاطون "الضرورى فى السياسة" وحدانية التسلط. تطول قامة الرئيس وتصغر قامات الناس، الزعيم والأقزام، طرزان وعامة الناس، زيوس والبشر. وسواء كانت هذه الزعامات تجسيداً لروح الشعب ولأمانيه القومية كما كان الحال فى الخمسينيات والستينيات فى مرحلة التحرر الوطنى أو كانت تسلطية قهرية كما كان الحال فى مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة الحديثة وضعف مؤسسات الدولة باستثناء أجهزة الأمن والشرطة وتحولها من الدولة الوطنية إلى الدولة الأمنية. وهى المرحلة التى عاد فيها الاستعمار من جديد لاسترداد ما ضاع منه باسم العولمة أو العالم ذى القطب الواحد. وقد أدى هذا الوضع المحلى والدولى إلى إعطاء الاستعمار الجديد وقوى الهيمنة الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ذريعة للقضاء على النظم التسلطية بدعوى الديمقراطية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتى الذى كان يساند نظم حكم الفرد مادامت حليفة له أو متعاونة معه. فالليبرالية أصبحت هى النظام العالمى الأوحد. والرأسمالية العالمية تجدد نفسها فى الشركات المتعددة الجنسيات ومجموعة الثمانية الأكثر تصنيعا. ووجد هذا الوضع صداه لدى الشعوب المقهورة التى تتوق إلى حرية الفرد وديمقراطية الحكم. فاغتر البعض بطُعم الديمقراطية الأمريكية التى كانت تهدف إلى القضاء على الدولة الوطنية واستقلالها، وتشجيع القطاع الخاص على حساب القطاع العام بدعوى الليبرالية الاقتصادية كشرط أو نتيجة لليبرالية السياسية، وتكوين طبقة رأسمالية جديدة لحكم قادم، له شعبية يقوم على دعامتين، الحركة الإسلامية التى مازالت تؤمن بالاقتصاد الحر باعتباره تعبيرا عن الاقتصاد الإسلامى الذى دعامته التجارة ومهما أخذ من صيغ جديدة تسمى شركات توظيف الأموال أو البنوك الإسلامية، والليبرالية التقليدية التى كانت سائدة قبل الثورة. وتتعدد طرق اصطياد الرؤساء أو قطع الرءوس أو حصد الزعماء. هناك طريقة الغزو العسكرى المباشر تحت دعاوى عديدة، القضاء على الإرهاب أو نزع أسلحة الدمار الشامل ثم القبض على الرئيس ومحاكمته وإعدامه شنقا ليلة عيد الأضحى كما حدث فى العراق عام 2003. وهى نفس الطريقة التى اتبعت فى غزو سان دومنجو فى الخمسينيات، وإنزال القوات الأمريكية فى لبنان فى 1958، وإنزال القوات البريطانية فى الأردن عام 1958 بعد ثورة يوليو فى العراق. وهى نفس الطريقة التى اتبعت فى العدوان الثلاثى على مصر فى 1956 للتخلص من الديكتاتور عبد الناصر الذى أمم قناة السويس! وهى نفس الطريقة التى اتبعت لغزو أفغانستان للقضاء على نظام حكم الطالبان الذى آوى الإرهابى أسامة بن لادن. وهى الطريقة التى يتم بها الآن تهديد إيران للتخلص من قدراتها النووية، وحزب الله "الإرهابي"، وسوريا التى تسانده. وهناك طريق الاغتيال بغارة جوية كثيفة على مقر الرئاسة بطائرات تنطلق من القواعد الأمريكية فى أوروبا كما حدث فى العدوان على ليبيا وقذف القذافى فى العزيزية مقر قيادته فى 1986. فلما فشل تم حصاره عدة سنوات بحرا وجوا. وهناك طريقة نرويجا وخطف الرئيس بالهيلكوبتر فى نيكاراجوا بتهمة تجارة المخدرات وأمريكا أكبر دولة مستهلكة لها. وهناك طريقة ديم فى فيتنام وتدبير انقلاب عليه للتخلص منه بعد أن استنفدته. وهى نفس الطريقة التى اتبعت فى التخلص من اليندى فى شيلى والتى اتبعت عدة مرات للتخلص من كاسترو منذ محاولة غزو كوبا فيما سمى بخليج الخنازير فى عهد كنيدى فى أوائل الستينيات. وهى طريقة انتقائية محضة تطبق فى حالة دون حالة. فبالرغم من وجود نظم شمولية قبل انهيار المنظومة الاشتراكية فى أوروبا الشرقية ثم فى الاتحاد السوفيتى ذاته إلا أنه لم يحدث عدوان عليها مثل نظام ميلوسوفيتش فى رومانيا، وترك كاراديتش رئيس الوزراء، وميلاديتش رئيس الجيش فى صربيا يذبحان عشرات الآلاف من المسلمين فى البوسنة والهرسك خاصة فى سبرنيتشا وحدها التى راح فيها سبعة آلاف من المسلمين قبل تدخل قوات حلف شمال الأطلنطى. وترك بينوشيه فى شيلى الذى قضى على الآلاف من اليساريين بين القتل والتعذيب فى السجون، وترك باتسيتا فى كوبا قبل ثورة كاسترو عليه. ويضطهد الإسلاميون فى كل مكان، ويزج بهم فى السجون والمعتقلات، ولم تحرك الولايات المتحدة الأمريكية ساكنا لصداقتها مع نظم الحكم والزعماء. وأخيرا هناك طريقة استعمال محكمة الجزاء الدولية لإصدار قرار بإلقاء القبض على الرئيس بتهمة قتل المواطنين بالآلاف كما يحدث هذه الأيام فى السودان. ليس حبا فى دارفور ولكن لاستمرار تنفيذ مخطط تجزئة الوطن العربى إلى فسيفساء طائفى عرقى كى تصبح إسرائيل أكبر دولة طائفية عرقية فى المنطقة، تأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية للوطن العربى والعالم الإسلامى بعد أن تهاوت أساطير المعاد وشعب الله المختار التى كانت وراء تأسيس الكيان الصهيونى. ولا يكفى تقطيع السودان وانفصال الجنوب عن الشمال بل أيضا انفصال غربه فى دارفور وكردفان عن شماله. وسكان دارفور عرب مسلمون. صحيح أنهم يعانون من الجوع والفقر والتخلف والتهميش أسوة بسوء توزيع الثروة والسلطة فى كل الوطن العربى، فى مصر بين وجه بحرى ووجه قبلى، وفى المغرب بين الشمال والجنوب، وفى الجزائر وليبيا بين الساحل والصحراء، وفى السعودية بين الحجاز ونجد. بل يحدث نفس الشيء فى الدول الأوروبية فى إيطاليا مثلا بين الشمال والجنوب، وفى روسيا بين الغرب القريب من أوروبا وسيبيريا فى الشرق. وهى مسئولية الحكم الذى يركز على العاصمة التى بها الحاكم الفرد. ولا عذر للحاكم أن يقتل الجيش جزءا من مواطنيه أو أن يعتقل قادة ومسلحين بالآلاف. كما لا عذر للمواطنين الخروج بالسلاح على الحكم وشق الصف الوطنى وتغذية روح الانفصال. الحل هو الحوار الوطنى بين أبناء الوطن الواحد، الحوار بين الحاكم والمحكوم، بين السلطة والمعارضة، بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، بين المركز والأطراف من أجل إقامة حكم ديمقراطى حر يقوم على التعددية الحزبية وحرية الرأى والانتخابات النزيهة من أجل تقاسم السلطة والثروة. وهو ما يتم الآن على استحياء باتفاقيات أكثر مما يتم بمشاركات شعبية ومشاريع وطنية للتنمية. الحل هو الحكم الفيدرالى الذى يعطى للمركز قدر ما يعطى للأطراف، ويعطى السلطة المركزية قدر ما يعطى للسلطات المحلية. فالفيدرالية مظهر ديمقراطى للحكم عن طريق توزيع السلطة. الدفاع والخارجية فى يد السلطة المركزية. أما باقى مظاهر الحكم مثل الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والإسكان وباقى الخدمات ففى أيدى السلطات المحلية. وكلاهما منتخبان من الشعب ومسئولان أمامه. والداخلية والعدل مشتركتان بين السلطة الفيدرالية والسلطات المحلية. إن محاولة إصدار قرار من محكمة الجزاء الدولية لإلقاء القبض على رئيس جمهورية السودان وبصرف النظر عن الدوافع السياسية والأخطاء القانونية قد تكون بداية مصالحة وطنية عامة بين شرق السودان وغربه كما تمت من قبل المصالحة بين شمال السودان وجنوبه، )عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم(. وقد كانت أخطاء الحكومة اللبنانية السابقة بإقالة مدير المطار والسيطرة على شبكة اتصالات حزب الله بداية خير للمصالحة الوطنية، وانتخاب الرئيس اللبنانى، واختيار حكومة جديدة. كما كان المشروع الأمريكى الصهيونى للبنان بداية إسقاطه من الدولة والجيش والشعب والمقاومة. إن اصطياد الرؤساء بقوى خارجية بصرف النظر عن أوضاعهم الداخلية وصورتهم لدى شعوبهم لهو امتهان لكرامة الأوطان، واحتقار للشعوب، وقبول للهيمنة الخارجية، وتدخل فى شئون البلاد الداخلية. وفى هذه الحالة ليس أمام الشعوب إلا الالتفاف حول الرؤساء دفاعا عنهم ضد العدوان الخارجى فى جميع صوره وأشكاله. فقد أصبحوا رموزا لها وعناوين لاستقلالها. وطبقا للمثل الشعبى "أنا وأخويا على ابن عمى وأنا وابن عمى على الغريب". وفى مقابل ذلك يعود الرؤساء إلى شعوبهم، وتقصر قاماتهم أمامها حتى لا تقطع الرءوس من الخارج. وتغرز الأقدام فى الداخل. ويرقص الرؤساء مع شعوبهم رقصهم الوطنى، ويلبسون لباسهم الوطنى، ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ ).
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.66
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من