30-11-2008     1135

 


 

روسيا تستعيد دورها العالمي


د. محمد السيد سليم


 

"إن الولايات المتحدة مثل الرفيق الذئب يأكل ولا يسمع لأحد، وليس لديه نية للاستماع إلى أحد. كيف يختفى كل الكلام المبالغ فيه عن الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية حين يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحه الخاصة؟ حينها يصبح كل شيء ممكنا، ولا تعود هناك حدود... سباق التسلح لم ينته، ولكنه وصل الى مستوى تكنولوجى جديد، و يسير اليوم بشكل أسوأ". بهذه الكلمات التى قالها الرئيس الروسى السابق بوتين (رئيس الوزراء الحالي) أمام البرلمان الروسى فى مايو سنة 2006، وجه رسالة تحذير قوية للولايات المتحدة بأن عهد الاستهتار الأمريكى بالمصالح الروسية قد انتهى. وبأنه على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم أسلوب تعاملها مع روسيا. ولكن الولايات المتحدة، ومعها دول الاتحاد الأوروبى لم تكترث لهذا التحذير، بل ودعمت بقوة انفصال كوسوفو عن صربيا، حليفة روسيا، وتمادت الى حد دفع المارينز الجورجى ساكاشفيلى الى مهاجمة أوسيتيا الجنوبية ، حليفة روسيا فى 7 أغسطس. رد الروس لأول مرة باستعمال القوة العسكرية خارج أراضيهم حين أجبروا القوات الجورجية على التراجع بل وتقدموا للحصول على مواقع جديدة فى جورجيا، ثم اعترفوا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا فى 28 أغسطس خلافا لسياستهم السابقة التى كانت تعارض هذا الاستقلال . وفى رأيى فإن أزمة أغسطس سنة 2008 ستدخل التاريخ باعتبارها بداية النهاية لحقبة القطبية الأحادية التى ظهرت منذ نهاية الاتحاد السوفييتى سنة 1991. فبعد سنوات من الهوان الروسى امتدت طوال معظم حقبة الرئيس يلتسن، بدأت روسيا تستعيد عافيتها الاقتصادية من ناحية ودورها العالمى المستقل من ناحية أخرى، بما ينبئ عن تحولات عالمية مهمة قادمة، ينبغى الانتباه لها. (1) منذ نهاية سنة 1991 سيطر على السياسة الروسية التى صاغها يلتسن منهج يدور حول أهمية اندماج روسيا مع "العالم الأورو-أطلنطى،" اندماجا غير مشروط، باعتبار أن هذا الاندماج هو الطريق لتمكين روسيا من النهوض اقتصاديا، ركزت روسيا على التحالف مع الولايات المتحدة من منطلق القبول بالمنظور الأمريكى للعلاقات الدولية، وإعطاء التنازلات من طرف واحد. وقد كان أول تطبيق لهذا التوجه هو زيارة يلتسن للولايات المتحدة فى فبراير سنة 1992، التى أسفرت عن "وثيقة التعاون الأمريكى - الروسي" التى وقعها فى كامب ديفيد مع جورج بوش الأب. وقد أتت الوثيقة على أسس التحالف بين الدولتين. تطبيقا لهذا التوجه سعت روسيا إلى طمأنة الغرب إلى نواياها خلال سياسة تقديم التنازلات المنفردة. (2) فشلت هذه السياسة فى تحقيق أهدافها لأن الغرب سعى بكل جهده لإضعاف روسيا ونهب ثرواتها. وقد قدر الدارسون أنه خلال تلك الحقبة تم نهب 350 بليون دولار من ثروات الشعب الروسى خلال المافيات الروسية الغربية. وقد أدى ذلك بيلتسن الى تعديل سياساته المنبطحة أمام الغرب حينما بدأ يبلور تحت الضغط البرلمانى والحزبى الروسى توجها "أوراسيا" نشأ عن الشعور بأن الغرب حريص على بقاء روسيا دولة ضعيفة. أساس التوجه الجديد هو أن مصالح روسيا تقع فى العالم الأوراسى. هكذا بدأت روسيا فى تأكيد نفوذها المهيمن فى دول الحزام الجنوبى فى آسيا الوسطى والقوقاز، كما عقدت مع إيران صفقة بناء مفاعل نووى فى بوشهر، وانتقدت علنا السياسة الأمريكية تجاه العراق، وبدأت فى بناء مسافة بين سياستها وسياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي- الإسرائيلى، وهو ما تمثل فى الدعوة إلى عقد مؤتمر دولى للسلام فى الشرق الأوسط بعد مذبحة الفلسطينيين فى الخليل فى 4 فبراير سنة 1994 التى ارتكبها متطرف صهيونى. وقد تأكد التحول نحو التوجه الجديد مع تعيين بريما كوف وزيرا لخارجية روسيا سنة 1996 ثم رئيسا للوزراء سنة 1998، وقد كان بريماكوف من أشد أنصار هذا التوجه. (3) عندما جاء بوتين إلى السلطة فى يناير سنة 2000 سعى إلى تعميق التوجه الأوراسى فى سياسة روسيا الخارجية. ففى يونيو سنة 2000 قدم عدة مبادئ جديدة لسياسة روسيا الخارجية تدور حول تطوير دور روسيا فى عالم متعدد الأقطاب لا يخضع لهيمنة قوة عظمى واحدة، والعمل على استعادة دور روسيا فى آسيا والشرق الأوسط، وعدم السماح للغرب بتهميش الدور الروسى فى العلاقات الدولية. وقد أضاف مبدأ بوتين ثلاثة عناصر جديدة للسياسة الخارجية الروسية أولها أنه إذا استمر توسع حلف الأطلنطى شرقا من روسيا ستسعى إلى دعم الترابط بين دول الاتحاد السوفيتى السابق لحماية منطقة دفاعها الأول، وثانيها أن روسيا تعارض نظام القطبية الأحادية، ولكنها ستعمل مع الولايات المتحدة فى عدة قضايا مثل الحد من التسلح وحقوق الإنسان وغيرها، وأخيرا، فإن روسيا ستعمل على دعم بيئتها الأمنية فى الشرق عن طريق تقوية علاقاتها مع الصين والهند واليابان.لكن أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 فى الولايات المتحدة وما تلاها من تحول فى الاستراتيجية الأمريكية نحو الحرب الهجومية، واعتبار "الإرهاب" بمثابة القضية المحورية ، أوقفت مؤقتا هذا التحول اذ سعت روسيا الى استثمار التحول الأمريكى خلال التعاون مع الولايات المتحدة أملا فى الحصول على دعم أمريكى ضد الحركة الانفصالية الشيشانية، والتخلص من نظام طالبان. فى اطار هذا التوجه أيدت روسيا الغزو الأمريكى لأفغانستان فى أكتوبر سنة 2001، وسهلت للولايات المتحدة الحصول على قواعد عسكرية فى بعض دول آسيا الوسطى يسهل منها غزو أفغانستان. (4) لكن الولايات المتحدة رأت فى التحول الروسى علامة ضعف، وبالتالى أمعنت فى سياستها الانفرادية، وهو ما تمثل فى عدم اكتراثها بالمعارضة الروسية لغزو العراق وانهاء الرئيس بوش التعاون الروسي- الأمريكى فى اطار مشروع الدفاع الصاروخى، بل وانسحابه من جانب واحد من اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية الأولى الموقعة سنة 1972، وذلك فى ديسمبر سنة 2001. كذلك فقد أدى ارتفاع أسعار النفط الى زيادة الناتج القومى الروسى الى تقليل اعتماد روسيا على الدعم الاقتصادى الغربى والى تحول روسيا لكى تصبح أعلى دول الكومنولث فى ترتيب التنمية البشرية لأول مرة منذ استقلالها. وفوق ذلك كله تصرفت الولايات المتحدة وأوربا فى ملف اقليم كوسوفو دون تشاور مع روسيا. ونتيجة لهذا كله بدأت روسيا فى بناء عناصر سياسة جديدة تحمى مصالحها". فقد عارضت إنشاء الولايات المتحدة للدرع الصاروخية و المحطة الرادارية فى بولندا وجمهورية الشيك . وردا على المشروع الأمريكى وقع بوتين فى 13 يوليو سنة 2007 قانونا ينص على أن ظروفا استثنائية تحتم تجميد تطبيق الحد من القوات التقليدية فى أوربا بما يعنى حق روسيا فى تحريك قواتها الملسحة فى أى مكان فى أراضيها. كذلك سعت روسيا إلى تقليص النفوذ الأمريكى فى آسيا الوسطى ونجحت فى إنهاء الوجود العسكرى الأمريكى فى أوزبكستان تلك. كذلك سعت روسيا إلى بناء مشاركة استراتيجية مؤسسية مع الصين ودول آسيا الوسطى فى إطار منظمة شنغهاى للتعاون، وشمل ذلك مشاركة نفطية لمد خطوط نقل النفط الروسى إلى الصين. كذلك قامت روسيا بتقوية علاقاتها المؤسسية الأمنية والاقتصادية بدول كومنولث الدول المستقلة. فتم إنشاء "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" بموجب "ميثاق كيشناو"، وتضم روسيا، مولدوفا، وأوزبكستان، وأرمينيا، وكازاخستان، وقيرجزستان، وطاجيكستان، وأذربيجان، كما تم إنشاء "الجماعة الاقتصادية الأوراسية". (5) جاءت أزمة الهجوم الجورجى فى أوسيتيا الجنوبية بمثابة اختبار لمدى تمسك روسيا بسياستها الجديدة. فاما أن تسكت روسيا بما سيكون مؤشرا للجميع بأن العبرة هى بما يقوله الغرب وبأن روسيا دولة منتهية الصلاحية، واما أن ترد روسيا بشكل يسمح بالتصعيد معها. اختارت روسيا دون تردد الطريق الثانى لأن التراجع أو السكوت يعنى انهاء الدور الروسى حتى بين دول كومنولث الدول المستقلة ذاتها. وجاء الرد الغربى محققا لأسوأ توقعات روسيا، حيث رد بفرض العقوبات والتهديد بفرضها على روسيا، كأن روسيا ليست دولة كبرى ذات مصالح اقليمية وعالمية. ولكن روسيا لم تتراجع أمام التهديدات الغربية ما فتح المجال أمام توقع البعض أن حربا باردة جديدة على وشك أن تندلع، وهو أمر سبق أن توقعه بعض المؤرخين الغربيين (آن آبلباوم ، وهاستنجز) حتى قبل نشوب الأزمة الجورجية. وفى تقديرى فان نشوب تلك الحرب سيكون قرارا غربيا بالأساس يعكس حرص الغرب على تأبيد حالة هيمنة المصالح الغربية التى ميزت السياسة الدولية بعد سنة 1991، وعدم اكتراث الغرب بمصالح الآخرين. ذلك أن روسيا سعت الى استعادة دورها دون أن يكون ذلك على حساب مصالح الغرب، بل إنها كانت تعارض رسميا استقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا وبدأت فى اخلاء قواعدها العسكرية فى جورجيا. وقد سبق أن أكد بوتين أنه يسعى إلى تحقيق سياساته الجديدة خلال الحوار القائم على المساواة بين كل الأطراف، فاقترح المشاركة مع الولايات المتحدة وأوروبا فى القاعدة الرادارية فى أذربيجان، وأنشأ مشاركة فى مجال النفط والغاز الطبيعى مع دول الاتحاد الأوربى، ولم يستعمل حق النقض فى مجلس الأمن ضد مشروعات القرارات الأمريكية المدعومة أوروبيا إلا فى حالة واحدة، كما اتفق مع الولايات المتحدة فى 3 يوليو سنة 2007 على التعاون فى مجال الاستخدام السلمى للطاقة النووية. ولكن الغرب كان له حسابات أخرى، أساسها أن الدول لا تستطيع حماية مصالحها الا اذا انطلقت من القبول غير المشروط بما يقوله الغرب. ومن هنا كانت الاستهانة الغربية بمصالح روسيا فى البلقان مقصودة لأنه لم يكن هناك مبرر للتعجل الغربى بفرض تقسيم صربيا دون موافقة مجلس الأمن. وحتى بعد أن سبق أن هدد الغرب بحرب باردة جديدة، فان روسيا ردت بأنها لا تريد تلك الحرب، ولكنها لا تخشاها. وفى تقديرى فان روسيا جادة فى ذلك لأنها أولا لا تضمن تأييد الصين ودول منظمة شنغهاى للتعاون لها فى تلك الحرب الجديدة، كما أنها ثانيا تواجه مشكلات اعادة البناء الاقتصادى بعد الخراب الشامل الذى لحق بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتى وبالذات فى عهد يلتسن وعميله جايدار الذى باع عرق الشعب الروسى للمافيات الروسية والغربية. روسيا تريد تأكيد مصالحها دون أن يعنى ذلك أنها تريد أن يكون ذلك خصما من مصالح الغرب. ولكن من يستمع. هل يعد السلوك الروسى فى الأزمة الجورجية مؤشرا على احتمال سلوك مماثل فى أوكرانيا ومولدوفا، كما قال كوشنير وزير خارجية فرنسا؟ يشير وزير الخارجية الى الوجود السكانى الروسى فى اقليم القرم، وفى اقليم الدنيستر فى مولدوفا، وأن روسيا ستسعى الى فصل الاقليمين. هذا التحليل من جانب كوشنير يفتقر الى الدقة وهو بمثابة جزء من شن الحرب الباردة الجديدة ضد روسيا لأن اقليم الدنيستر المولدوفى لا يجاور روسيا، كما أن هناك اتفاقات أوكرانية روسية بخصوص القرم تعهدت روسيا باحترامهاا. ولكن الدورين الفرنسى والألمانى فى تلك الأزمة يكشفان عن صحة ما سبق أن قلناه فى سياقات أخرى بأنه لا يوجد خلاف أمريكى أوروبى حول القضايا الدولية، وأن الأمر لا يعدو كونه من قبيل تقسيم العمل بين الطرفين، وأن الرهان على الدور الأوروبى المستقل هو رهان خاسر. فالخلاف الأمريكي- الأوربى الوحيد هو حول السيطرة على الأسواق. وسيكون لاستعادة روسيا دورها العالمى خلال الأزمة الجورجية دلالات مهمة بالنسبة للملف الايرانى ولاحتمالات المواجهة القادمة بين الغرب وايران. ففى رأيى أن أزمة جوروجيا قد قلبت الحسابات الغربية حول احتمال رد الفعل الروسى للغزو الغربى لايران. فبعد سلسلة "العقوبات" الغربية على روسيا لن تقف الأخيرة ساكنة أمام تهديد مصالحها فى ايران. وفى حالة الغزو فان روسيا ستتصرف بشكل يدعم ايران، خلال تسريب المعلومات لها عن التحركات الغربية.. وبذلك فان أفضل سياسة يتبعها الغرب هى الكف عن التدخل فى شئون الدول الأخرى واعتبار نفسه خصما وحكما فى الوقت ذاته. فما يفعله الغرب مع العرب فى العراق وفلسطين غير قابل للتكرار فى مناطق المصالح الروسية. من الناحية العملية فان هذه التطورات تصب فى مصلحة العرب لأنه كلما زادت تعددية النظام الدولى زادت قدرة الدول الصغيرة على حماية مصالحها. فالاستهتار الغربى بالمصالح العربية ناشئ عن معرفة الغرب بأنه لا توجد بدائل أخرى أمام العرب غير ما يعرضه الغرب من مشروع إسرائيلى مهيمن على المنطقة. ولكن صعود الدور الروسى فى السياسة الدولية يمكن أن يغير من تلك المعادلة، بافتراض أن الأنظمة العربية راغبة فى بناء مشروع عربى مستقل فى المنطقة، وهو افتراض ربما لا يكون صحيحا.
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.75
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من