30-11-2008     1135

 


 

الساخر الأعظم محمود السعدني


يوسف الشريف


 

أحسب أن الجائزة التقديرية التى منحتها نقابة الصحفيين للكاتب الكبير محمود السعدنى تفوق فى قيمتها ومغزاها جائزة نوبل، فقد أجمع شيوخ المهنة على استحقاقه لها، اعترافا بمكانته السامقة وقامته التى تطاول رموز مصر الثقافية الخالدة، كما: عبدالله النديم وطه حسين والعقاد ومحمود عزمى ونجيب محفوظ ومصطفى وعلى مشرفة وإحسان عبدالقدوس ومحمد حسنين هيكل، ممن أثروا فكر الأمة المصرية وشكلوا ضميرها الوطنى عبر إبداعاتهم ودأبهم على التنوير بالمبادئ والثوابت التى عززت من دورها وأججت من إشعاعاتها الحضارية على الصعيد القومى ولعلى أحسب كذلك وباليقين أن هذه الجائزة جاءت فى وقتها المناسب، كما بلسم الفرح والرضا الذى يتوق إليه السعدنى للتخفيف من ويلات المرض والقعود، وهو الذى عاش حياته الخصبة وسط الناس، كبيرهم وبسطائهم، ومنح حبه لزملائه الصحفيين فأحبوه أكثر وأكثر. وإذا كانت جائزة نوبل من نصيب الأعمال والإبداعات التى توخت الولوج إلى العالمية، فلا شك أن عطاء محمود السعدنى فى ميادين الصحافة والأدب والإنسانيات عالمية كذلك من فرط تعبيرها المحلى عن واقعنا وقضايانا عبر أسلوبه المميز فى السخرية من سخريات الحياة بصدق وذكاء وشفافية! وبينما طيف أستاذنا محمد عودة يراودنى فى أحلامى بين حين وآخر، يظل محمود السعدنى يراود خاطرى فى صحوى ومنامى، فهو الصديق الأثير والأخ الشقيق الذى لم تلده أمى، وهو الحاضر المتألق دوما، كما الفارس المغوار فى الملاحم والأساطير، وكما البطل المحبوب والفتى الأول فى السينما فى معظم وأجمل حكاياتى وذكرياتى عنه، بقدر ما تعكسه المرآة للواقع دون مبالغة أو تزييف! هل أنسى كيف جسد لنا لقاءه ميشيل عفلق زعيم حزب البعث، بحركاته وسكناته، بصوته الخافت، ولهجته الشامية، وخجله ودهائه، وكم كان يستبد به الإعجاب تارة بـ "أنور السادات" كممثل واعر، بغيظه من تقلبات مسلكه السياسى، فكان يتقمص شخصيته بشكل تلقائى، وينفعل مثله تماما! وعلاقة السعدنى بـ "السادات" كانت بدايتها مصادفة فى أربعينيات القرن الماضى بمنزل صديق عمره طوغان رسام الكاريكاتير فى الجيزة، وسأله: مين الشاب الأسمر ده؟ وقال طوغان: ده ضابط ثورجى مفصول من الجيش.. وزكريا الحجاوى عرفنى به وتنبأ له بحكم مصر! ولم يملك السعدنى فضيلة المجاملة أو الانضباط وراح يضحك من أعماقه وهو يردد مستهجنًا عبارة حايحكم مصر.. حايحكم مصر! بعدها فى سبعينيات القرن الماضى، كان رحيل جمال عبدالناصر وتولى الحكم من بعده أنور السادات، وكان قد توطدت علاقته بـ "السعدني" من قبل عبر جوقة الصحفيين والأدباء والفنانين التى كانت تتحولق كل مساء فى ندوة زكريا الحجاوى بمقهى محمد عبدالله الشهير فى ميدان الجيزة، وكتب السعدنى عن أجوائها ونجومها وصعاليكها كتابه الجميل "مسافر على الرصيف"، ومن عجب أن يتغاضى عن أى ذكر فيه لـ "السادات" لا بالخير ولا بالشر، حتى حرصه دائمًا على أن يقتنى "روايات الجيب" ومغامرات هولمز وأرسين لوبين والمباهاة بقراءتها لم يذكره السعدني! ولا شك أن السادات كان يحب السعدنى ويخشى سخرياته كذلك، ومع ذلك لم يتورع عن فصله مع الكاتب الشاعر الفنان عبدالرحمن الخميسى وآخرين عندما كان رئيسا لتحرير صحيفة "الجمهورية"، ثم عاد وفصله من رئاسة تحرير مجلة "صباح الخير" مع السجن لسنوات متهمًا بالضلوع فيما سمى آنذاك بمؤامرة مراكز القوى، ثم عاد يستقبل السعدنى بالبشاشة والود خلال زيارته الكويت وكان السعدنى يعمل آنذاك فى صحفها بعد خروجه من السجن، وطلب منه العودة إلى مصر وهو يقول: هيه أمك ما وحشتكش يا سعدني؟ لكن السعدنى لم يطمئن لنيات السادات ولا نسى له موقف الردة عن كل ما دعا إليه جمال عبدالناصر من المبادئ التى ناضل ورحل من أجلها، ولا كان بوسعه أن ينسى له زيارة إسرائيل والصلح معها منفردًا من دون العرب وعلى حساب القضية الفلسطينية، ومن الكويت إلى لندن، حيث تحشد السعدنى لفضح سياسات السادات مع صديقه محمود نور الدين الدبلوماسى السابق وقائد تنظيم ثورة مصر فيما بعد، حيث أصدرا معًا مجلة "32 يوليو" تحت رئاسة تحرير السعدني! هكذا كان السعدنى ـ شفاه الله وعافاه ـ فى عناده، وفى دفاعه عما يؤمن بأنه الحق مهما كان الثمن فادحًا، فإن لم تسعفه السخرية قولاً أو كتابة، دائمًا ما ينحو إلى استحضار ملكاته ومواهبه فى التعبير الصامت عن الموقف أو الشخص الذى لا يروقه أو العكس، وأحيانًا يكتفى بعبارة "كركرة" حين لا يهمه الأمر! أذكر قبل أن يداهمه المرض عندما تجلت حكمته فى بساطة وعفوية، وهو يصغى باهتمام لصديقه طوغان فى واحدة من حماساته، وكان يستعرض سمات وموصفات فتاة أحلامه ـ ولم يكن قد تزوج بعد ـ وقال.. ليتها شقراء، عودها سمهرى، ووجهها صبوح، مثقفة، تجيد الفرنسية والإنجليزية كمان و... من بنات الذوات. وقال السعدني: موجودة ورب الكعبة ومتوفرة بالعشرات والألوف.. لكن لماذا تختارك أنت بالذات يا طوغان.. وأى مواصفات لديك تغريها على الزواج منك! وضحك طوغان وضحكنا أيضًا.. لكن طوغان عاد يفضى فجأة بواحدة أخرى من حماساته وقال: عاوزين يا سعدنى من هنا ورايح نبنى مستقبلنا، وعندئذ أشار السعدنى بسباته إلى الأرض وقال: هو لسه فينا عمر.. إحنا مستقبلنا هنا فى التراب! كان طوغان قد سبق السعدنى إلى خوض غمار العمل الصحفى مع صديقهما الكاتب الراحل على جمال الدين، وحتى أجمع الثلاثة على إصدار صحيفة خاصة، فما أن انتهوا من طباعتها، حتى واجههم مأزق الإفلاس، وذهب طوغان يطلب من ثرى أمثل قدرًا من المال لدفع أجر نقل أعداد الصحيفة إلى متعهد التوزيع، وانتظره عدة ساعات حتى فرغ الرجل من مشاغله الخاصة والتقى بـ "طوغان" ومنحه المبلغ المطلوب، فلما عاد لـ "السعدني" وهو يطير فرحًا، إذا به يكتشف وقد طلب كيلو كباب وراح يلتهمه فى لذة واستمتاع، وسأله طوغان أين ذهبت أعداد الصحيفة، وقال السعدني: لما تأخرت أدركت أنك فشلت فى جلب المبلغ المطلوب، خدتها من قاصرها وبعت الأعداد بالأوقية لواحد بتاع روبابكيا.. ما تزعلشى قوى كده.. أنا حايش لك نايبك من الكباب! وكان التليفزيون المصرى الذى ولد عملاقًا على حد ما كان يروى عنه من نوادر عهدئذ، قد أتاح للكتاب والصحفيين والمبدعين فرصة التجريب، وبدورى خضت التجربة فكان لى ثلاثة برامج من إعدادى أسبوعيا العام 2691 "من غير معياد" و"قبلى وبحري" و"فى زحام المدينة"، وجمعت حصيلة مكافآتى عن الإعداد فى الشهر الأول واقتنيت سيارة موديل 2591 طراز فيات قردة على حد الأوصاف الشعبية التى كان يطلقها الميكانيكية على السيارات، أذكر منها تونس شمامة وفلوكس خنفسة و"مرشيدش" نص كم... إلخ. ذهبت راكبًا السيارة فورًا إلى السعدنى فى منزله بشارع البحر الأعظم بـ "الجيزة"، وسألنى وهو يعاين السيارة من الداخل والخارج: اشتريت الكركوبة دى بكام؟ ـ بـ 531 جنيهًا! { بتعرف تسوقها؟ ـ عبدالرحمن شوقى علمنى السواقة! { معاك فلوس البنزين؟ ـ مليانة على الآخر.. "فول تنك"! { أنا شايف العربية حافية.. معاك فلوس تشترى لها كاوتش جديد؟ ـ لما يدوب الكاوتش.. يحلها ألف حلال! { طيب ادينى العربية أروح بيها مشوار مهم.. أصل عربيتى عطلانة.. وكانت طراز "بيبى فورد" ومستعملة كذلك! وكانت هذه السيارة وسيلة الفسحة الليلية لأستاذنا الشاعر الكبير كامل الشناوى للطواف فى ربوع القاهرة كعادته فى نهاية السهرة، وبعدها يأوى إلى النوم فى شقته بشارع النباتات فى جاردن سيتى، ولأنه كان يخشى أن ينفرد به الموت وحيدًا، لذلك كان يحتمى منه عبر الصحبة الحلوة، ولأنه كان يعتقد أن معظم الموت يأتى ليلاً، من هنا ولعه بالسهر إلى حين طلوع الفجر، وأذكر كلما سهرنا فى شقته، كان يطلب من فاروق ابن شقيقه أن يسدل الستائر السوداء على النوافذ وهو يقول: دعونا نستبقى الليل! ولأن سيارة السعدنى كانت كثيرًا ما تتعطل وترفض الحركة خطوة واحدة إلى الأمام، كان لزامًا على القيام بمهمة الزق بينما كامل الشناوى بداخلها والسعدنى يمسك عجلة القيادة والقيام بعملية "التعشيق". على أن السعدنى لم يوافنى بسيارته بعد مشوارى المهم.. وذهبت إليه أسأله عنها.. وقال فى سخرية وتلقائية: مش قلت لك إنها حافية.. الكاوتش ضرب سبتها فى مكانها.. فين؟ موش فاكر! لكن القصة لم تنته بالعثور عليها.. إذ كانت لها ولى زيارة إلى منزل كامل الشناوى، فما أن سمع اقتنائى سيارة، حتى خرج متهللاً إلى البلكونة وهو يجول بعينيه فى السيارات الجديدة الفاخرة التى يمتلكها سكان جاردن سيتى الهاى لايف! وسألني: أمال عربيتك فين؟ ـ قلت بفخر: الزرقة اللى واقفة هناك آخر الصف. عندئذ أطلق واحدة من قهقهاته الساخرة وقال: مبروك يا يوسف.. أهو بدل ما تزق عربية السعدنى.. دلوقتى تزق لحسابك! كان أستاذنا كامل الشناوى الأب الروحى لـ "محمود السعدني"، ورغم ما كان فى نهجهما السياسى من تباين أو اختلاف، السعدنى كان اشتراكيا، وصحبته إبداعاته وسخرياته وظرفه كانت تتألق فى المقاهى الشعبية، بينما كان كامل الشناوى من ظرفاء الصالونات وكافيتريات الفنادق خمس نجوم، وهو كان ليبراليا ووطنيا حتى النخاع، لكنه كان عسيرًا على القولبة الأيولوجية! لم يعشق الشناوى ويذوب وجدًا فى أى من علاقاته بأصدقائه وتلاميذه أو حوارييه ما يفوق علاقته الحميمة بـ "السعدني"، رغم أنه لم يسلم شخصيا من سخرياته، ولأنه كان شاعرًا رومانسيا وعلاقته بمحبوباته عذرية فحسب، من هنا أطلق عليه السعدنى وصف "زعيم جمعية عدم الإمكان"! والسعدنى صاحب تعبير "كلمنجي" بمعنى الذى يجيد الحكى المتصل دون ملالة سامعية، كما وأن "المكلمة" تعنى حلبة المنافسة بين الكلامنجية، ولأن كامل الشناوى وزكريا الحجاوى وعبدالرحمن الخميسى وعباس الأسوانى والمحامى الشرعى الشيخ عبدالحميد قطامش، كانوا آنذاك أبرز الكلمنجية الظرفاء، كان السعدنى الوحيد المدجج بكل وسائل الإثارة والحكى والسخرية التى أهلته دومًا لمبارزة هؤلاء الفرسان، ويومًا أعيته الوسائل والحيل فى وقف شلالات الكلام الممتع الذى كان يتدفق من شفتى الشيخ عبدالحميد قطامش، حتى يلتقط منه خيط الحكى.. وعندئذ وضع السعدنى يده على رأسه فجأة ثم على بطنه كمن يعانى آلامًا مبرحة. توقف قطامش عن الحديث وراح الجميع يسأل السعدنى إن كان الألم عابرًا أم مرضًا يعاوده، وانتهز الفرصة والتقط خيط الحديث وامتلك ناصيته وحده، ومن المرض إلى غيره من نوادره وسخرياته وذكرياته العذبة. والسعدنى كذلك صاحب تعبير "الحنجوري" ويعنى الكلام والمعانى العشوائية التى تتردد على ألسنة البعض ممن ينتسبون أكثر إلى اليسار الطفولى، وهو أطلق هذا التعبير لأول مرة أوائل الخمسينيات فى مقهى ومطعم "ايزافيتش" الذى كان مطلاً على ميدان التحرير، عندما استمع ومحمد عودة طويلاً إلى الجدل العقيم بين بعض اليساريين المتشنجين حول أم كلثوم، وأنها واحدة من الآليات الذين يستخدمهم عبدالناصر لتغييب الوعى العام حتى ينفرد بالحكم وبالشعب دون حسيب ولا رقيب، فاستحقوا وصف "الحنجوريين" ممن يمارسون النضال عبر حناجرهم فحسب! والحقيقة أننى كتبت كثيرًا عن السعدنى وسيرته الذاتية العطرة كان آخرها فى عدد مجلة "الهلال" الصادر يوليو 7002 وغيرى كثر من أصدقائه الكتاب والأدباء والعارفين لقدرة، ولأن هذه السطور لا تكفى لرسم صورة بانورامية عنه وعن علاقتى التى تواصلت بصحبته منذ العام 8591، فلعله من الوفاء بحقه على جيلنا اعتماد معادلة "ما لا يدرك كله لا يترك كله". من هنا بات من اليقين تسليط الضوء على شخصيته الكاريزمية وسجل حياته الباهرة التى تجل عن الحصر والوصف، فهو الكاتب الذى طوع لغته الصحفية والإبداعية ما بين الفصحى والعامية الشعبية لأولاد البلد، وهو الشجاع الذى لم يحن رأسه لعواصف التهديد والوعيد، ونذر فكره وقلمه للدفاع عن قضايا الشعب والأمة بشكل وأسلوب خاص يجذبك للقراءة حتى آخر حرف من مقالاته. كانت له فى الدراما صولات وجولات مقدرة من التمثيليات والمسلسلات الإذاعية، وكانت له كذلك بصمات مسرحية شائقة بينها النصابين وعزبة بانيوتى، ولكن المسرحيتين جرى عرضهما على المسرح الذى كان يديره ويملكه مع عبدالرحمن الخميسى بشارع 62 يوليو غير مسرحيات الأورنس وحتى يعود القمر التى عرضت على مسارح الدولة، ولعلى أتذكر من بين مختلف الأجناس الأديبة إبداعه زهاء 522 كتابًا أذكر منها: "حمار من الشرق ـ عودة الحمار ـ الطريق إلى زمش ـ الولد الشقى ـ الولد الشقى فى السجن ـ رحلات ابن عطوطة ـ على باب الله ـ الموكوس فى بلاد الفلوس ـ المضحكون ـ تمام يا فندم ـ ألحان السماء" وهو الكتاب الذى يشى بمعرفته علم قراءات القرآن العشر، وإلمامه بطبقات أصوات المقرئين، وصحبته لهم من أول الشيخ محمد رفعت حتى الشيخ الطبلاوى الذى كان له دور فى اكتشاف موهبته بقدر اهتمامه بكرة القدم وتشجيعه لفرق وأبطال نوادى الأقاليم! على أن لـ "السعدني" كما كامل الشناوى باعًا عريضًا فى أدب وفنون الاتصال بالمجتمع.. ليس المجتمع المصرى فحسب، إذ كان ريحانة المجالس فى أى من المجتمعات العربية التى كانت تتطلع لقدومه وتحتفى بقدومه وتسمع له، بل إن أكثر التسجيلات النادرة لسخرياته وحكاياته ونوادره لدى البعض من أصدقائه فى الدول العربية. وروى لى طوغان أن السعدنى عاد من رحلة إلى سوريا العام 0691 ليرحل إلى سجن الواحات مباشرة مع الشيوعيين، فهو قد عرض عليه خطابًا كتبه خالد بكراش زعيم الحزب الشيوعى السورى حتى يسلمه لـ "جمال عبدالناصر"، وكان يطلب فيه الإفراج عن الشيوعيين المصريين، وقال طوغان إنه حذره من تسليم الخطاب كما وعد بكراش، لكنه أصر على تسليم الأمانة إلى كمال الحناوى الذى كان رئيسًا لتحرير صحيفة "الجمهوررية" وقتئذ باعتباره من الضباط الأحرار.. فكان ما كان! فى صحبة الشيوعيين بسجن الواحات.. أدرك السعدنى أنهم يمثلون تنظيمات مختلفة فيها الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى التى اختارت لها كلمة "حدتو" اسمًا حركيا لها، وتنظيم وحدة الشيوعيين الذى عرف باسم "وسن"، وتنظيم طليعة الشيوعيين واسمه الحركى "طسن"، وهكذا.. فلماذا إذن لا ينفرد كذلك بتنظيم سياسى وأطلق عليه اسم "زمش"! وتنبهت مباحث أمن الدول وقسم مكافحة الشيوعيين.. إلى تواتر الحديث عن "زمش" داخل سجن الواحات، فلما أعياهم البحث عن اسم التنظيم استدعت السعدنى للتحقيق، وعندئذ لم يجد مفرًا من الاعتراف.. وأن "زمش" اختصارًا لعبارة زى ما أنت شايف! إلى ذلك كان مشواره الطويل والعريض فى العمل الصحفى، فهو لايزال يذكر مأمون الشناوى باعتباره رائده والنموذج الذى أخذ عنه الكثير من أسرار الكتابة الساخرة، وكذا الكاتب الكبير أحمد قاسم جودة ومحمد عودة وإحسان عبدالقدوس، واستطاع أن يستلهم نهجهم وأساليبهم الصحفية وأن ينفرد بعد ذلك بنهجه وأسلوبه الخاص. ولعل أنبل أخلاقيات السعدنى تكمن فى حدبه على خدمة زملائه الصحفيين والأدباء والناس بشكل عام، فكم رعى زملاءه فى الشيخوخة والمرض وضيق ذات اليد، وكان كذلك يفيض كرمًا كما لو أنه المعنى فى القرآن الكريم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)! حتى حين داهمه المرض وراح يتوكأ على عصاه، كان طريقه سالكًا إلى الوزراء ومكاتب المسئولين لقضاء حوائج الناس، وهل ينسى أى من الصحفيين مأدبته المفتوحة دون دعوة بالنادى النهرى، حيث بانتظارهم أشهى طواجن اللحم والفشة والكوارع ولحمة الرأس التى كان يوصى صديقه المعلم إبراهيم نافع بإعدادها! والسعدنى يكره التجهم والعبوس ويهفو إلى البشاشة والحبور والإخلاص المتبادل والوفاء، وإذا كان قد طاف بأربعة أركان المعمورة وكانت أفخم الفنادق وأرقى المطاعم طوع بنانه، وعرف من الملوك والرؤساء والمسئولين والنجوم والرموز ما يفوق البقية الباقية من شعر رأسه، تظل المقاهى الشعبية وبيوت البسطاء فى الريف والحضر مأواه وراحته، وما أحلى الاضطجاع على كنبه أو سرير فى بيته، وهو يدير شئون الكون عبر التليفون، أو يملى مقالاته وإبداعاته الأدبية والإذاعية والمسرحية على صديقه شوقى الذى اختار له لقب الصاعقة.. إذ كان ينقض على أعقاب السجائر فى سجن الواحات، ثم يعيد صياغتها سجائر مخصوص لـ "السعدني". ولعلنا فى النهاية نناشد أصدقاء السعدنى وتلاميذه من الكتاب والباحثين، أن يجمعوا إبداعاته وكتاباته فى أرجاء الصحف والمجلات المصرية والعربية، وكذا تفاصيل سيرة حياته، ثم إعادة تقييم كل هذا الزخم الإنسانى فى كتاب سوف يظل ولا شك واحدا من الشهادات والعلامات عليه وعلى عصره وزمانه الجميل!
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من