فى مساء يوم الثلاثاء 91 أغسطس الحزين.. وإلى مطلع فجر الأربعاء.. عاشت مصر كلها وأبناؤها فى الخارج ساعات رهيبة وهم يرون مشدوهين مشاهد النيران التى أخرجت ألسنتها متحدية كل جهود الإطفاء المرتبكة التى أتت على صرح البرلمان المصرى العتيق والذى كان يضم فى جنباته تراثاً لكفاح المصريين عبر أجيال تاريخهم المعاصر من أجل الاستقلال والدستور والحياة الحرة الكريمة. وقد أسهم التليفزيون المصرى (القومي!) اسماً والمحتكر بالفعل للطغمة الحاكمة.. أسهم فى المزيد من ترويع المشاهدين حيث عمد الإرسال -بغباء لا يحسد عليه- إلى تكرار بث بعض صور الارتباك البادى فى مواجهة كارثة الحريق، دون أن يشفى غليلاً فى متابعة التعرف على تطورات تلك المواجهة، فيما عدا ما كان يذيعه من حصر لسيارات الإطفاء التى استدعيت من كل مكان فى العاصمة وخارجها.. وتعطل وصول بعضها بسبب عدم إخلاء المنطقة من حركة المرور العادى، مع التباهى بأن عددها تجاوز الثمانين عربة! وكأنها (تظاهرة) عددية.. مع أن فناء المبنى لم يكن يتسع لعشر تلك العربات حتى ولو رصت بعضها بجانب بعض! وقد أدى تراخى حضور مسئولين كبار معنيين مباشرة أمنياً وسياسياً بإدارة الأزمة إلى شلل فى إدارات المستويات الأدنى وتخبط القرارات، بجانب النقص الذريع فى الإمكانات وخاصة مصادر المياه للإطفاء، ورغم الإنفاق البذخى على أعمال تطوير المبنى.. وكل ذلك أسهم فى اكتمال مشاهد بانوراما (الفشل العظيم) فى مقاومة الحريق أو الحد من انتشاره أو إخلاء المبانى من وثائق ومقتنيات ثمينة كان يمكن إنقاذها.. وهكذا أتت النيران على الطوابق الثلاثة للمبنى التى انهارت تباعاً فى مشهد درامى فاق كل خيال. والمصريون بطبيعتهم (السمحة) المعروفة والمجبولة.. ما كانوا ليشمتوا بإزاء احتراق بيتهم (بيت الشعب) فحاشاهم أن يكون رد فعلهم كذلك، تجاه كوارث الحريق والغرق ونزف الدم الذى سمم حياتهم فى السنوات الأخيرة.. إلا أنه من الطبيعى أن يتشفى المواطن المصرى فى عجز من استولوا على مقدراته، ونهبوا ثرواته، واستلبوا حرياته وحقوقه الطبيعية الحياتية والسياسية، وأنكروا عليه حقه فى المشاركة السياسية، وأصابوا الوطن والمواطن بالتدهور فى كل مناحى حياته بعد أن أداروه لحسابهم، وتحولوا به إلى احتلال داخلى ومُلْكٍ جمهورى عضوض متوارث. وبتوفيق من الله، فإننى أبرأت ذمتى تجاه المسئولية الوطنية طوال حياتى البرلمانية من عام 4891 بمجلسى الشعب والشورى، وإلى آخر جلسات الدورة المنقضية لمجلس الشورى فى يونيه هذا العام.. فيما سجلته مضابط المجلس المحترمة، وكررته وقرعت به الأسماع تباعاً.. من أن (أحادية) واستمرارية الحكم على مدى (65) عاماً من عمر النظام الحالى منذ (تغيير) يوليو.. ومع تقلب البلاد بين الساخن والبارد (حرباً وسلماً) ثم -وباسم السلام الزائف- ارتهان الوطن وتفريغ قواه الذاتية وإضعاف جهازه المناعى، وتصفية دوره القيادى والمحورى، المؤثر كلية فى مجال أمنه الحيوى الوطنى والقومى. ومع إقامة (ديكور) شكلى لمؤسسات دستورية حاكمة ولتعددية سياسية لا وجود ولا أثر لها فى الواقع، فإن (تركز السلطة) على هذا النحو قد انتهى بالنظام إلى تسليم قيادة (لتركز الثروة) كذلك ثم توالت المواليد السفاح من (تزاوج) السلطة بالثروة استبداداً وفساداً على الوجهين! وبعد أن أصبحت ثروات الوطن والحكم حكراً على حزب واحد وطغمة بعينها، مما صادر على فرص تداول السلطة ديمقراطياً وسلمياً، وبالأقل إحداث توازن سياسى بأى قدر بين فرق سياسية متنافسة! وإذ كنت قد عاصرت نهايات العهد الملكى فى مصر قدر لى وأنا طالب بالثانوى زيارتى للعاصمة مع والدى رحمه الله وقادمين من بلدتنا بسوهاج، أن أشاهد وقائع اندلاع حريق القاهرة يوم 62 يناير 2591، فى لحظة فاصلة من التاريخ.. تجاهل خلالها حكام مصر (المغزي) من هذا الحريق، ولم ينتبهوا إلى أن البلاد كانت تشهد (مخاضاً) لتغير حتمى منشود، كانت شواهده بادية للأعمى قبل البصير.. فى مقابل ما كان عليه، هل الحكم من غرور واستخفاف بالشعب وقواه الفاعلة.. وما أشبه الليلة بالبارحة. وها نحن الآن، وكأننا نعايش نهاية الأشواط بالنسبة لنظام سياسى يعانى من شيخوخته، وقد عجز إلى الآن عن بلوغ الأمانى والأهداف الوطنية فى التحرر والاستقلال وإرساء الحياة الطبيعية غير الاستثنائية والاستقرار الحقيقى، ولا غنى عنهما فى النهوض والتقدم والرفاهية من خلال تنمية مستدامة وتراكم يبنى اقتصاداً وطنياً قوياً غير معمد. ولقد غدا تأمين نظام الحكم بدعوى الاستقرار يستحوذ على أسلوب إدارة دفة الحكم من خلال ملف أمنى متضخم ألغى كل الأدوار للمؤسسات الدستورية ولحراك المجتمع المدنى. وبعد أن أصبح سواد كبير من جموع المصريين يعيشون عيشة ضنكاً تحت خط وهامش الفقر.. ويفتقدون -فى الريف والحضر- أدنى مقومات الحياة الكريمة فى السكن والعلاج والتعليم إلى آخره! إن النار تحرق وتطهر.. وعلى قدر القيمة التاريخية لمبنى البرلمان المصرى المحترق، وهو أول برلمان فى إفريقيا والشرق. فالواقع أن المبنى العريق المحترق، وقد ذهب مأسوفاً عليه فى (مبناه) و(معناه)، فقد يعوض عن المبنى المحترق إقامة بناء جديد تحت إشراف هيئة الآثار يحافظ على طابعه التاريخى ليتخذ متحفاً قومياً للحياة البرلمانية بعد اكتماله.. أما (المعني) فلن يعوضه إلا (إفاقة) الحكام من ثباتهم العميق.. ليعوا الدرس من الإشارات التى بعثتها المشيئة الإلهية عبر ألسنة النيران العفية التى استعصوا على إطفائها وإسكاتها فى مهدها. ومع وجوب تفريغ وسط العاصمة من دور ومبانى المؤسسات الحاكمة، وحتى لا تتكرر المأساة، فإن مراجعة الحكام أنفسهم لفتح صفحة جديدة مع شعب مصر الصامد الصابر إلى حين، هو ما يقتضى الانتقال إلى عاصمة سياسية جديدة لمصر تبنى فى الخلاء الواسع وتضم مبنى جديداً لبرلمان حر يعوض المصريين عن برلمان لم يعطهم على مدى 141 عاماً من إنشائه.. حرية ولا حياة برلمانية حقيقية. وبعد.. فاللهم لا شماتة.. ولكنها القارعة لمن يتعظ.