د. أحمد الغندور:الخصخصة التى قام بها عاطف صدقى مختلفة تماماً عن الخطة التى حددته
ماهر حسن
النظام المصرى فاسد والظلم الاجتماعى فاجر
الدكتور أحمد الغندور اقتصادى وسياسى من الطراز الرفيع، ومن الراسخين فى هذا العلم، وهو قامة علمية، ومحلل خبير، يراقب عن كثب مجريات الأزمة المالية العالمية التيتحيلنا إلى الكساد العظيم الذى حدث فى عام 9291م ومن الأهمية بمكان أن نقف على تحليل علمى دقيق لأسباب الأزمة الحالية فى محاولة لقراءتها ومعرفة مداها ومدى تأثيرها على بلاد تقع فى مهب عواصفها وعلى رأسها مصر وكيف تتعامل مصر مع الأزمة، كما نحاول أن نقف على رأيه فيما يتعلق بالسنياريو الشبيه لسيناريو فيلم «هانى رمزي» «عايز حقي» والذى أعلن عنه الوريث فى مؤتمر الوطنى الأخير فيما يشبه تحويل مصر إلى دويلات مالية صغيرة قد يبلغ عددها سبعين مليون دويلة. والدكتور الغندور من مواليد نوفمبر عام 4391م وهو أستاذ اقتصاد دولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ومحام أمام محكمة النقض وهو رئيس مكتب الغندور للاستشارات القانونية الاقتصادية والدكتور الغندور حاصل على ليسانس فى القانون من حقوق القاهرة عام 5591م ودبلوم الاقتصاد السياسى من نفس الكلية عام 6591 ودبلوم القانون العام منها عام 7591م وحاصل على دكتوراه فى العلوم الاقتصادية، فى موضوع التوازن الدولى للمدفوعات من كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بباريس عام 5691م وفوق هذا فقد شغل الدكتور الغندور الكثير من المواقع العلمية والاقتصادية الرفعية منها، عضو مجلس الدولة فى القسم الاستشارى للفتوى والتشريع، ومدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وأستاذ مساعد زائر فى الجامعة الأمريكية، ونائب وزير الاقتصاد والتعاون الاقتصادى. كما كان عضواً فى لجنة العشرين التابعة لجامعة الدول العربية وعضو هيئة مستشارى رئيس الجمهورية «السادات» ورئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وعضو مجلس إدارة البنك القومى للتصدير والاستيراد وعميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقاً، وعضو مجلس إدارة البنك المركزى المصرى وعضو اللجنة العليا للتشريع بوزارة العدل وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية وله الكثير من المؤلفات منها «العلاقات الاقتصادية الدولية» و«الاندماج الاقتصادى العربي» «والسياسة النقدية فى مصر».. ورغم ما قلناه عما تقلده من مواقع فإننا لم نذكر بعد الكثير من السيرة العلمية والاقتصادية لهذا العالم الاقتصادى الكبير الذى التقيناه فى هذا الحوار: { تحيلنا الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة إلى الأزمة المماثلة التى حدثت فى عشرينيات القرن الماضى وعليه فهناك جملة من الأسئلة تفرض نفسها بقوة، وأولها هل الأزمة الراهنة تمثل انهياراً للنظام الرأسمالى أما أنها مجرد كبوة كان السبب الرئيسى وراءها نظام الرهن العقارى فى أمريكا؟ وما ملامح الاختلاف والتشابه بين الأزمتين؟ } قبل أن أقارن بين الأزمة الحالية والكساد الكبير عام 9291م لابد أن أنبه القارئ إلى أن دورات الانتعاش والكساد هى من صميم تطور الاقتصاد الرأسمالى وذلك لسبب بسيط أن نمو هذا الاقتصاد يعتمد على التجديد والابتكار الذى يقوم به المنظمون فى الاقتصاد الرأسمالى فعند كل ابتكار جديد تبدو الفرص سانحة للجميع فيتدفق الاستثمار ويحدث انتعاش كبير لكن هذا الانتعاش لابد أن يستنفد قوته بعد فترة بسبب تشبع السوق، بمنتجات الابتكار الجديد وحين يحدث هذا التشبع تجد أن الطلب على السلع فى الاقتصاد الرأسمالى يأخذ فى التراجع، وهذا من طبيعة الأمور، وتكالب المنتجين على الإنتاج لابد أن يتضمن الإنتاج المنتج الجيد والمنتج السيئ الذى ترتفع نفقته لسبب أو لآخر، ولكنه استمر فى فترة الانتعاش بسبب ارتفاع الأسعار لأن الكل يطلب السلعة، وحينما يتشبع الاقتصاد تجد هؤلاء عاجزين عن الاستمرار ومن هنا تبدأ دورة الكساد، بكل خصائصه من انتشار البطالة وانخفاض الدخول وبالتالى انخفاض الطلب على المنتج إلى آخر هذه التوابع، ومعدل نمو الاقتصاد الرأسمالى هو متوسط المعدل فى حالة الانتعاش والمعدل فى حالة الكساد وبالتالى لا يصل المعدل إلى الارتفاع الذى بلغه فى فترة الانتعاش ولا ينخفض للمعدل الذى بلغه فى فترة الكساد وإنما يكون بين بين وهذه طبيعة الاقتصاد الرأسمالى ولأضرب مثلاً حديثاً، فالعالم عرف نوعاً من الانكماش فى سنة 4002م بسبب أزمة شركات الاتصالات «التيليكوم» ذلك لأن عام 4002م كان عام نهاية الاختراع فحدث نوع من الانكماش فى هذه الصناعات والانكماش فى هذه الصناعات امتد بتأثيره على الصناعات الأخرى.. هنا تصبح المسألة الواجب مناقشتها ليس حدوث الكساد أو عدم حدوثه ولكن المسألة التى يتعين مناقشتها هى عمق الكساد وامتداده الزمنى. { فلنتوقف عند هذين البعدين بين الكساد العظيم والكساد الحالي؟ } الكساد العظيم كان عمقه خطيراً، فالدخل فى الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات على ما أذكر انخفض بنسبة 02% ووصلت البطالة إلى 33% والتجارة الدولية فقدت ثلثى معدلها، وهنا يتضح أننا أمام ظاهرة أخرى، وهى أن الكساد الذى نلاحظه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الآن لا يصل فى مداه إلى ما وصل إليه الكساد الكبير لكن نلاحظ منذ أزمة التيليكوم ما يسميه الاقتصاديون بـ«الانكماش» «recession» وإذا كان الكساد يعنى انخفاض الدخل القومى وليس اختفاء معدل نمو الدخل القومى فإن الانكماش معناه هو أن يحدث نوع من الانخفاض فى معدل الدخل القومى هذا هو الكساد «depression» وما يتميز به النظام الرأسمالى هو الكساد فى الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية والذى كان آخره كساد 9291م. { معنى هذا أن الانكماش ما زال مستمراً ومقترناً بالنظام الرأسمالي؟ } لقد عرفه النظام الرأسمالى بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن فعلاً. { لنتوقف بمزيد من التفصيل إزاء الانكماش فى الأزمة العالمية الراهنة؟ } سنجد أننا إلى الآن نواجه انكماشاً شديداً لأن معدل النمو قل كثيراً فى الولايات المتحدة وأوروبا لكنه على مستوى العالم نجد أن الاقتصادات الحديثة لها معدل نمو جيد مثل الصين وجنوب شرق آسيا وبالتالى فإن ذلك كان من شأنه حماية النمو على مستوى العالم «مثل الطوبة التى تسند الزير». { ولكن هل تتوقع أن تمتد الأزمة الحالية لنفس المدة التى استغرقها الكساد الكبير؟ } فى اعتقادى أن هذا لن يحدث والسبب هو اختلاف الصورة كلية الآن عما كانت عليه آنذاك فى عام 9291م فالمعطيات بين الزمنين تختلف كلية وأهمها هو دور الدولة الآن مقارنة بدورها عام 9291م. { وهل دور الدولة الآن يؤهلها للخروج من هذا المأزق فى وقت أقل؟ } أنا لا أعتقد أنها ستستمر لأكثر من سنة ونصف السنة بل ومن المتوقع أن تنتهى قبل انقضاء هذه المدة، والسبب هو تدخل الدولة، وإذا نظرنا لأسباب الأزمة الحالية نجد أنه فى مقدور الدولة أن تتغلب عليها بخاصة فى الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. وأريد أن أضيف لأسباب الأزمة الراهنة سبب انفجار السوق المالى فى الولايات المتحدة فقد نما نمواً غير طبيعى فالاقتصاد بطبيعته لكى يصل إلى التوزان يجب ألا يكون نمو قطاع الخدمات ومن بينه السوق المالى إلا بالقدر اللازم لخدمة قطاعات الاقتصاد الحقيقى وهو اقتصاد السلع، لكن لأسباب كثيرة نما هذا السوق نمواً ذاتياً بغض النظر عن احتياج قطاعات الاقتصاد أى نمو منفصل عن نمو الاقتصاد الحقيقى، والنمو الذاتى خرج بعيداً عن أصول النمو فى الاقتصاد الرأسمالى فهذا القطاع مد له «ريجان» و«تاتشر» الحبل على الغارب تحت اسم مرونة القواعد أو كما يقولون التحرير وحرية حركة أكثر من اللازم من طرف الحكومة «وبالتالى تجد أن هذا القطاع بعد أن كان للدولة من خلال البنك المركزى سيطرة كاملة حيث إن البنك هو الذى يحدد حجم الإقراض كنسبة من الودائع لدى البنك لابد ألا يزيد على نسبة معينة أقل من 001%، كما أنه يحدد العلاقة بين رأسمال البنك وحجم القروض التى يمنحها، والخروج على القيود التقليدية التى عرفها النظام الرأسمالى عقب الحرب العالمية الثانية والتى كان سببها حدوث الكساد العظيم أخذت تتوارث. { وهل هذه الأزمة الحالية كان أحد أسبابها الحرب فى العراق وأفغانستان وأيضاً الرهن العقاري؟ } هما الاثنان معاً، فالحرب عبء على الاقتصاد نتيجة للاقتراض أما الأزمة العقارية فقد دفعت بالأزمة قدماً وكشفت عن هذا الخلل والسبب أن نصف الاقتراض العائد تقريباً لبناء ولشراء المنازل بلا ضوابط حيث ظهرت بشكل واضح «sobrine» أى القروض ذات الجودة المنخفضة، واندفاع الناس للقروض العقارية كان سببه الحكومة الأمريكية، وهنا نلتقى مرة أخرى مع «تاتشر وريجان» حيث أصدرا نوعاً من المانفيستو الذى يدور حول مفهوم المواطنة الصالحة وأنها مرتبطة بملكية المنزل والأسهم أيضاً فى الشركات ومن هنا شهدت أسعار المنازل ارتفاعاً كبيراً فى الثمانينيات بسبب إقبال الناس على شراء المنازل بل والاتجار بها استغلالاً لارتفاع الأسعار مما انعكس بشكل واضح على أزمة القروض العقارى. { على أى نحو تجلى هذا؟ } عندما أصبح المقترضون لشراء العقارات غير قادرين على الوفاء بسداد القروض فكانت النتيجة أن الكثيرين عرضوا بيوتهم للبيع بسعر أقل وعندما تنخفض قيمة العقار تنخفض قيمة القروض التى تستغل فيها البنوك الودائع فيدحث نوع من الذعر والأخطر من ذلك أن القطاع المالى عندما وجد نفسه ينمو بسرعة بدأ يركز جزءاً من موارده فيما يسمى باختراع المنتجات المالية. { بمعني؟ } بمعنى المشتقات من القروض، فالبنوك كانت تقرض، بضمان معين فوجدت أنه من المربح أن تفرض على القروض عموماً والقروض العقارية خصوصاً هرماً من المشتقات التى تتمثل فى تجميع الديون العقارية بطريقة معينة ثم إصدار سندات بقيمة هذه القروض ثم الدفع للبنوك ثم يقوم القطاع المالى بعرض هذه السندات فى الأسواق، وذهبت الابتكارات إلى أن يشتق من السندات سندات أخرى ويعرضها فى الأسواق لعموم المشترين وكان إقبال الناس عليها كبيراً نظراً لارتفاع الفائدة لكن لو نظرنا إلى كل هذه المشتقات نجدها فى واقع الأمر فقاقيع هوائية لا يقابلها شيء عينى حقيقى فأصبح البيت فى الخلفية ليس فقط للاقتراض بل للهرب من المشتقات. وما حدث فى القروض العقارية حدث فى بطاقات الائتمان، وهى فى الاقتصاد الأمريكى تقوم بدور رهيب إذ أن الفرد يشترى ما يريد فى ذلك المجتمع الاستهلاكى بغض النظر عن قيمة دخله السنوى. { وما رأيك فى آراء الاشتراكيين الذين يقولون بسقوط النظم الرأسمالية وفق ما حدث فى الأزمة الحالية؟ } ما يقوله اليسار لا تجد له مثيلاً فى الصين أو الدول المتقدمة فالكل يجتمع للخروج من الأزمة من خلال مساعدة الاقتصاد الأمريكى ولذلك فلم يكن من قبيل الصدفة ارتفاع سعر الدولار فى الأسواق العالمية، وأن الولايات المتحدة لا تزال أكثر الدول أماناً للاستثمار فيها كما أن البنوك المركزية فى العالم كله التى احتفظت بالاقتراض كاحتياطى نقدى عليها أن تنزل إلى السوق لتمنع انخفاض قيمة الدولار لأن انخفاضه سيؤثر بالسلب على احتياطاتها المالية. ولذلك فإن اليسار فى أوروبا الغربية والصين لا يزالون يعيشون فى عهد التمنيات الطيبة والنبوءات الأيديولوجية مع أن هذه النباءات أثبتت أنها غير صحيحة وهذا ما يفسر انهيار الاتحاد السوفيتى لأن النبوءة لم تتحقق ومن الصعب عليهم أن يؤمنوا بهذه الحقيقة أنه لم يعد هناك مكان للأيديولوجية ولو دققت النظر فى الأزمة الحالية ستجد أنها ليست أزمة نظام رأسمالى وإنما هى أزمة اقتصاد أمريكى خرج على أصول الرأسمالية وقواعدها وثوابتها . { وماذا عن التوجه الاشتراكى كخطاب وتوجه بديل فى مجتمع ما زال ينظر للحكومة باعتبارها أهل من لا أهل له؟ } هذا ملمح من ملامح الاشتراكية وهو أن ينوب النظام عن الشعب. { ولكن العدالة الاجتماعية واحدة من ركائز الاشتراكية؟ } هناك عدالة اجتماعية فى الرأسمالية أيضاً. { كيف؟ } أقول لك مثلاً إن واحداً من الأسباب الرئيسية فى الأزمة المالية الأمريكية هو الإسراف فى تحقيق العدالة الاجتماعية. { وماذا عن الطرح الاشتراكى كحل لتجليات الأزمة العالمية على مصر؟ } الاشتراكية فى مصر يجب أن تفهم على أساس أنها نظام العدالة الاجتماعية. { هذا مفهوم فى مصر؟ } لكنه ليس مطبقاً على هذا النحو . { هذا الحكم كما تقول ظللنا ننعم بثماره إلى عهد قريب إلى أن تم تقويضه مع الانفتاح. } أنا لا أتحدث عن الحكم فى الماضى وإنما عن العصر الحالى.. فحكم مبارك هو الأسوأ. { ولكنك أحببت الرئيس مبارك؟ } الحب شيء والحق شيء. { أنت أيضاً ممن فتحوا علينا باب جهنم فلقد كلفك الرئيس مبارك أثناء حكومة عاطف صدقى بوضع تصور منهجى لبيع كل ما تركه عبدالناصر من أصول ومصانع وبنية اقتصادية مهمة وتصورك هذا كان مفتتح الخصخصة فى مصر؟ } نعم.. هو طلب منى ذلك وقدمت دراسة علمية واقتصادية مفصلة للتخصيصية والتى تقولون أنتم عنها خصخصة وأعطيتها له، لكنه دفع بها لعاطف صدقى. { يعنى أنت تقر بهذا؟ } نعم. { وهل الخصخصة التى جرت جاءت وفق ما تضمنه تقريرك بدقة. } لا.. وإنما أهملها عاطف صدقى ونحاها جانباً وقدم رؤية مختلفة وعين نفسه وزيراً لقطاع الأعمال وأنجز المشروع تماماً عكس كل ما تمنيت وخططت. { وماذا عن النظام الاقتصادى فى مصر هل هو اشتراكى أم رأسمالى. } انتهازى فاسد لا هو اشتراكى ولا هو رأسمالي؟ { ومن الانتهازيون؟ } أثرياء السلطة الذين نهبوا ثروة هذا البلد وحولوها إلى الخارج والناس الآن تتناقل أخبارهم الخاطئة والصحيحة، ومن هذه الأخبار خسائر هذه الطائفة فى الخارج. { مثل من؟ } مثل هشام طلعت مصطفى وأحمد عز وخسائرهما بالمليارات فى الخارج وكأن خسارتهما جاءت انتقاما لهؤلاء المنهوبين فى الداخل. { ومن منح أحمد عز مثلاً هذا الحق. } جمال مبارك.. { فقط. } لا.. فأحمد عز وغيره استفادوا من العوار الموجود فى السياسات الاقتصادية للبلد؟ { وهذا العوار من كان المسئول عنه؟ } النظام طبعاً بما فيه المشرعون والمنفذون «دول عصابة» لقد شهدت على بيع البلد لمثل هؤلاء بسعر اسمى.. حينما كنت عضوا فى البنك المركزى. { وماذا تقول لدول المنطقة العربية التى تبحث عن خلاصها فى الروشتة الاشتراكية؟ } هذا غير صحيح لأن الثقافة الاشتراكية سقطت بسقوط الاتحاد السوفيتى صاحب التجربة الاشتراكية ذاتها. { ولكن الصين وفق هذه الروشتة حققت انتعاشاً؟ } نعم لأنها خرجت على هذه الروشتة أساساً. { وفق هذا المنظور كيف ترى الأزمة الاقتصادية الحالية فى مصر؟ } سببها الفجر فى الظلم الاجتماعى مما أدى إلى نوع من الكساد الاقتصادى الضخم فى مصر منذ 52 عاما، وهذا الفجر «بضم الفاء وتسكين الجيم» يقوم على إثراء الأثرياء على حساب إفقار الفقراء وهذا لا ينتج شيئاً لأن دخل الفقير ينتهى إلى جيوب الأثرياء ظلماً وعدواناً نتيجة للإجراءات الفاسدة.. وما يتم أخذه من فقراء مصر سينتهى إلى بنوك أوروبا فمصر تمارس منذ 52 عاماً لعبة إثراء الأثرياء على حساب إفقار الفقراء والمدهش أن الحكومة فى العهد الملكى كانت تأخذ من الأغنياء لتعطى الفقراء وكانت الدولة هى الوسيط العادل بين الأغنياء والفقراء، أما الآن فهناك لعبة شريرة ولذلك فنحن نعيش تضخماً منذ 52 سنة والتضخم كما تعلم بسبب عجز الموازنة الذى يذهب لأصحاب المشروعات فترتفع الأسعار ويجنى هؤلاء ربحاً بلا عمل أما الفقير فإنه يتأثر بدخله المحدود والمنعدم بارتفاع الأسعار وبالتالى يحجم عند الإنفاق ومحدودو الدخل هم السواد الأعظم. { ألا يزيد البنك الدولى بشروطه الطين بلة إذ يحدد اتجاهات إنفاق قروضه وفق أجندة ملزمة للإنفاق؟ } أنا أكتب الآن عدداً من المقالات انتهيت من المقال الأول وعنوان أحد المقالات هو «الإصلاح الاقتصادى وإثراء الأثرياء من إفقار الفقراء» أقول فيه إن نقطة البداية فى الصندوق هى تحقيق توازن فى الموازنة.. ونحن رغم هذا حققوا عجزاً فى الموازنة وجعلنا الصندوق شماعة لأخطائنا.. ونقول ليس هناك عجز فى الموازنة وهكذا قال عاطف صدقى وكمال الجنزورى وعاطف عبيد ونظيف وجميعهم خالفوا الصندوق لأن أجندتهم السياسية لا تتعارض فقط وشروط الصندوق ولكن أيضاً تهتم بـ«المماليك». { ولكن من بين الشروط المجحفة فى الأجندة الملزمة للصندوق هو القيام بالخصخصة أليس هذا صحيحاً؟ } نعم الصندوق طلب الخصخصة ولكنها خصخصة فرنسا وإنجلترا هنا لم يقوموا بالخصخصة التى أرادها الصندوق ووضعوا كل الصلاحيات فى يد وزير قطاع الأعمال بدءاً من عاطف صدقى ولذلك فقد قلت إن ما يجرى الآن ليس تخصيصية وإنما «تسريقية» وأما الخصخصة فهى على وزن «بصبصة» وهذا اللفظ «قبيح» وأحسن تعبير يمكن قوله على حالتنا وأثر الأزمة العالمية علينا هو أن الاقتصاد المصرى اقتصاد غريق فلا خوف عليه من البلل ولو تأملت ما حدث لمصر فى ربع القرن الماضى ستجد أن ما حدث فى أمريكا أخيراً يصغر بالنسبة لما فعلناه بالاقتصاد المصرى فى هذه الفترة فهناك عمليات منظمة لسرقة الثروة والدخل تحت أسماء مختلفة من قبيل الإصلاح الاقتصادى والخصخصة وما إلى ذلك إلى أن وصل الاقتصاد المصرى إلى القاع ونسبة البطالة فى مصر شارفت على ما كانت عليه فى الكساد العظيم وإفقار الفقراء فى مصر نتيجة للإجراءات الخبيثة منذ خمسة وعشرين عاماً إلى الآن خلقت طبقة انتهازية لا تعرف الأعمال ولكنها تعرف نهب الأموال، حتى أصبحنا نقف على حدود الشماتة حيث ما كسبوه من الفقراء خسروه فى دول العالم لأنه «مال غلابة». { لم نتحدث عن كيفية تعامل القيادة المصرية مع الأزمة المالية العالمية؟ } مصر بطبيعتها وهى فى هذا الوضع، هى متلقية لآثار الأزمة فقط فعليها أن تقبل الآثار المترتبة على الأزمة مثل انخفاض معدل التصدير وأن تقبل بانخفاض أسعار الشحن والمرور فى قناة السويس وانخفاض أسعار البترول، وعليها أن تقبل وهذا هو الخطير اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً انخفاض عائدات المصريين فى الخارج ويكفى أن تعلم أن إيرادات النفط من أهمية إيرادات المصريين بالنسبة للدخل القومى تقارب السياحة وعليها أن تقبل انخفاض معدل السياحة رغم أن نقطة علاج هذا فى الداخل وليس الخارج بأن تكف الدولة على السفه فى الإنفاق، بخاصة إنفاق السلطة التنفيذية والمؤسسات ومجلس الشعب وترشيد هذا الإنفاق هو نقطة البداية. { كنت تقوم بالتدريس فى الجامعة الأمريكية على مدى ثلاث سنوات فى السبعينيات وكانت السيدة سوزان مبارك من بين تلاميذك فهل تذكر هذا؟ } نعم.. ولم أكن أعرفها عن قرب وكانت خجولة جداً.. وأذكر أننى حينما كنت أنتهى من المحاضرة كانت صديقتها شهيدة طراف تستوقفنى لتسألنى فى بعض الأشياء أو نتحدث فى أمور دراسية كثيرة وكانت السيدة سوزان تقف بعيداً منتظرة انتهاء صديقتها من مناقشتى. { وماذا عن فترة عملك فى بنك مصر العربى الأفريقى وترشيحكم لجمال مبارك ليشغل أحد المواقع فى أحد البنوك؟ } كنت فى بنك مصر العربى الأفريقى وكان جمال مبارك فى البنك العربى الأفريقى الدولى وكنت أنا وراء ترشيحه. { رشحته خلفاً لمن؟ } خلفاً لموظف كان وكيل الجهاز المركزى للمحاسبات والذى أحضره عاطف صدقى. { وأنت نكاية فى عاطف صدقى رشحت جمال. } لأ مش نكاية.. ولكن موضوعية وأنا كنت موضوعى. { هل لأنه نجل الرئيس؟ } أنا جبته عشان والده هو رئيس الدولة وكنت فى البداية قد رشحت البردعى بناء على ترشيح من العضو المنتدب عندى وكنت سبباً فى انضمامه للبنك والبردعى استقدمته من سيتى بنك، وحين جاء لم أكن أعرف أنه على علاقة ومعرفة بجمال مبارك فاقترح على جمال مبارك كبديل لوكيل الجهاز المركزى للمحاسبات فاتصلت بمحافظ البنك المركزى إسماعيل حسن آنذاك وطلعت حماد وقلت إن جمال أفضل من وكيل الجهاز المركزى، كما أن ميزته الثانية أنه نجل رئيس الجمهورية وكان هذا البنك مصرياً كويتياً وله مشاكل مع الحكومة الكويتية لا حدود لها فوجوده سيحل المشكلة بين الكويت ومصر وكان يعمل فى بنك أوف أمريكا وبنك إيران. { وحل المشكلات؟ } طبعاً. { وماذا عن مصاهرتك ليوسف السباعى وزواجك من ابنته السيدة بيسا؟ } كان ابن خالتى أحمد لطفى حسونة نائباً لرئيس تحرير «الأخبار» وكانت السيدة بيسا صديقة شقيقتى فى الأمريكان كولدج فى رمسيس فاقترحتها على وكنت عائداً لتوى من بعثة فى فرنسا وبريطانيا.. وتولى هو الأمر عبر زينب السبكى وقابلتها.. وحينما ذهبت لبيت أسرتها وجدت لديهم حمام سباحة فخفت من هذا المستوى الاجتماعى لكننى وجدتهم فى منتهى التبسط والحميمية وذهبت أكثر من مرة لتناول العشاء معهم إلى أن تم الزواج ولدينا الآن الدكتور عبدالوهاب أحمد الغندور وهو أستاذ مساعد فى هندسة عين شمس ولديه أحمد وكريم وهما فاكهة البيت ويملآن على حياتى. { فيما يتعلق بما أعلنه جمال مبارك بخصوص الأسهم والصكوك، وتوزيع الأصول فى شكل أسهم، على غرار فيلم «عايز حقي» لهانى رمزى.. فهل يجيء هذا تطبيقاً لفكرة «صندوق الأجيال»؟ صندوق الأجيال فى ذاته فكرة معروف أصولها معروفة أيضاً أما فكرة صندوق الأجيال كما يراه النظام وفقاً لتصريحات عديدة فهو أمر غير معروف فكراً أو تجربة وبالتالى فهو أمر - بالنسبة للاقتصاديين - عشوائى لا يصدر عن رؤية معينة سبق لى كما ذكرنا أن كلفنى الرئيس مبارك حينما كنت عميداً لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بصياغة تقرير عن تطوير القطاع العام والتخصيصية «الخصخصة» وأنت تعلم باقى القصة وفى التقرير طرحت فكرة إنشاء صندوق الأجيال توضع فيه حصيلة الخصخصة كاملة غير منقوصة.. ذلك أن الأصول التى سيتم بعيها هى جزء من الثروة القومية التى يملكها الشعب وبالتالى فلا يكون لهذا الجيل أن يستأثر بإيرداتها دون الآخر وكل ما لهذا الجيل هو أن يحصل على فوائد الاستثمار لثمن بيع هذه الأصول وأن يحصل لنفسه على فوائد استثمار هذه الأموال وله أن يقرر استخدام هذه الإيرادات كما يريد وأذكر أننى اقترحت تخصيص فوائد هذه الأموال لإعادة تدريب وتأهيل من يتم تسريحهم من المؤسسات التى يتم بيعها وهنا ما نقف بوضوح فيه على فكرتى العدالة والكفاءة وأذكر أن الرئيس كلف الدكتور عاطف صدقى بإنشاء الصندوق غير أن الدكتور عاطف لم يفعل شيئاً من ذلك وأعد قانوناً يقيم مشروعية تبديد هذه الأموال ولذلك فإننى فى أحاديثى وكتاباتى إلى يومنا هذا وصفت العملية بأنها «تسريقية» لا تخصيصية وإذا نظرت لفكرة الصندوق والصكوك تجد أنها عملية استمرار لتمكين الطبقة السياسية الحاكمة من الاستيلاء على ما بقى من الثروة القومية فقد قرأت أنهم ينوون توزيع هذه الصكوك على كل من بلغ 12 عاماً وهنا تكمن اللعبة فسيعطون هذه الصكوك بأثمان بخسة لا تقابل القيمة الأصلية للأصول العينية والتى حولوها إلى أسهم وهنا تدخل المرحلة الثانية وهى أن يأتى من يشترى هذه الأسهم أو هذه الصكوك بثمن أعلى قليلاً وإن كان بخساً أيضاً وهنا يظهر التفكير الساذج واضحاً فهم من ناحية يعتقدون أن الشعب سيصفق لهم وفى الوقت نفسه يحققون أغراضهم فى استيلاء النظام ونخبته على الثروة القومية بمقابل زهيد للغاية لا يغنى ولا يسمن من جوع.