بأرقام محمود محيى الدين: الحكومة رمت للناس بواقى الخصخصة
مليارات الخصخصة جاءت من بيع البنوك والأراضى والشركات المشتركة
عندما تنامى لسمع بعض المواطنين أن الحكومة قررت توزيع أسهم مجانية على المصريين سخر البعض من الفكرة وشككوا فى نوايا الحكومة، لأن الحكومة معتادة منذ سنين طويلة على أن تأخذ من الناس، ولا تعطيهم سوى فى مواسم الانتخابات وغالبا ما تكون العطايا من البواقى. وبالمثل الشعبى (الحداية مابترميش كتاكيت) والحكومة ما تفتكرش مواطنيها إلا فى الشدة وتعطى بيد مغلولة وبخيلة وقصيرة. ولذلك كان من البديهى وعلى ضوء التاريخ الحكومى الطويل مع المواطنين أن يشكك البعض فى حكاية توزيع محفظة أسهم مجانا على المواطنين من أموال وأسهم وأصول شركات قطاع الأعمال العام (الوريث القانوني) للقطاع العام. ورغم أن الفكرة تهدف إلى التخلص من بقية ملف الخصخصة، ورغم أننى ضد الفكرة من الأساس. وأؤيد بقاء القطاع العام وقطاع الأعمال العام والبنوك العامة وزيادة استثمار المال العام فى الاقتصاد. رغم هذا وذاك فقد فكرت من باب التغيير أن أنسى تاريخ حكومات الحزب الوطنى المتعاقبة معنا، وأن أتجاهل الشكوك التى تحيط بالمشروع الجديد. مشروع إدارة الأصول والمشاركة الشعبية والذى أطلقته وزارة الاستثمار والحزب الوطنى منذ أسبوعين. وجرى الحديث عنه أو بالأحرى التهليل له فى المؤتمر السنوى للحزب فى بداية شهر نوفمبر الماضى. فكرت مناقشة المشروع الجديد من خلال الأرقام الرسمية للوزارة المسئولة عن الخصخصة أو برنامج إدارة الأصول، كل الأرقام القادمة هى أرقام وزارة الاستثمار. والجدول المرفق هو جدول البيع للأصول العامة فى عام 2006-2007 الوارد بموقع الوزارة على شبكة الانترنت. بهذه الأرقام سنعيد قراءة مشروع المشاركة الشعبية الجديد الذى أطلقه الحزب الوطنى. هذا المشروع كان حاسما فى اقتصار التوزيع الشعبى للأسهم على شركات قطاع الأعمال العام. وهى التابعة للقانون 203. ولم يتطرق المشروع الخيرى لتوزيع ثروة مصر إلى المال العام أو المساهمات العامة فى 647 شركة قطاع خاص، أو البنوك العامة أو الشركة المصرية للاتصالات أو القابضة للبترول أو القابضة للطيران. والتوزيع سيقتصر فقط على أسهم شركات قطاع الأعمال العام، وعدد هذه الشركات 153 شركة تابعة موزعة على 9 شركات قابضة. وقد لفتت هذه النقطة المهمة تساؤلات الكثيرين، وكانت محل سؤال فى اجتماع المجلس الأعلى للسياسات المخصص لعرض المشروع. واعتبر أحد أعضاء أمانة السياسات أن مشروع القانون لا يتناول أصول مصر، بل يحل مشكلة محمود محيى الدين مع الرأى العام. وقد احتفظ المشروع الجديد للدولة بنسب حاكمة فى عشرة قطاعات تشمل نحو 80 شركة، تضم أفضل الشركات من ناحية السعر (الحديد والصلب الألومنيوم السكر). هذه النسب تتراوح بين 51% و67%، نسب احتكارية تمكن الحكومة من السيطرة على قرارات الإدارة فى هذه الشركات، بالمثل منح المشروع الجديد الشركات القابضة حق الاحتفاظ بالأراضى غير المستغلة التابعة للشركات. ويؤدى هذا الاتجاه فى المشروع الجديد للمشاركة الشعبية لأصول مصر إلى نتيجة مهمة، وهى أن الأسهم التى سيتم توزيعها هى أسهم شركات قطاع الأعمال العام فقط بدون الأراضى. وهذا يقودنا لسؤال يبدو تفصيليا وهو ماذا تبقى لمحمود محيى الدين وحكومته ليمارسوا من خلاله عقيدتهم فى بيع مصر بالقطاعى. وماذا سيصل للمواطن فى عملية بيع مصر بالجملة وتوزيع جزء من البيعة الأخيرة لقطاع الأعمال؟ إجابة السؤالين تبدأ بتحليل الكميات المباعة من أصول مصر بالكامل. وسنـأخذ كمثال المشروعات والأصول التى تم بيعها فى عام 2006 -2007 من خلال أرقام وزارة الاستثمار. فى هذه السنة بلغت حصيلة ما تم بيعه من جميع أصول مصر 13.6 مليار جنيه موزعة كالتالي: 1 ـ شركات قطاع الأعمال العام (3 شركات) بقيمة 748.5 مليون جنيه 2 ـ أصول وخطوط إنتاج تابعة لشركات قطاع الأعمال (5) بقيمة 1.1 مليار جنيه 3 ـ أراض وأصول غير مستغلة (37) 85 بقيمة 854 مليون جنيه. 4 ـ شركات وبنوك (بنك الإسكندرية) بقيمة 9.2 مليار جنيه. 5 ـ حصص المال العام فى البنوك والشركات المشتركة (7) بقيمة 1.55 مليار جنيه. وتكشف هذه الأرقام الرسمية، أرقام محمود محيى الدين عدة حقائق، أهم هذه الحقائق أن العائد من بيع شركات قطاع الأعمال تمثل نسبة زهيدة من إجمالى حصيلة بيع أصول مصر (14%). وأن بيع بنك واحد يجلب لحكومة البيع نحو أربعة أضعاف بيع عدد من شركات قطاع الأعمال العام. وبالمثل تكشف أرقام محمود محيى الدين أن بيع حصص المال العام فى الشركات المشتركة تقترب من حصيلة بيع شركات قطاع الأعمال العام. ولكن محمود محيى الدين اختار أصلا واحدا من أصول مصر ليقوم بتوزيعها على المواطنين، اختار أن يترك لحكومته فرصة للبيع من الأبواب الخلفية لجلب حصيلة للخزانة العامة أو التخلص من بقية أصول مصر وبيعها للأجانب أو العرب أو المصريين بالمزاد أو بالبورصة لمستثمر رئيسى أو من خلال البورصة. والأصول التى أخرجها محيى الدين وحزبه من رشة توزيع كوبونات الخصخصة تمثل الجانب الأكبر والأكثر رواجا فى سوق البيع. أصول مليئة باللحم ومكتزنة بالمال والخير، أما الأصل الوحيد اليتيم الذى رماه مشروع المشاركة الشعبية للمواطن فهو عظم الأصول أو بالأحرى بواقى الخصخصة. فالشركات الواردة فى مشروع المشاركة الشعبية هى بطبيعتها شركات صعبة البيع. بعض الشركات استراتيجية وقرار بيعها ليس فى يد محمود محيى الدين أو جمال مبارك وحكومة حزبه، والأخرى لم تجد من يشتريها منذ أكثر من 15 عاما، وبالمعنى البلدى شركات (بايرة) وقاعدة فى (أرابيز) محيى الدين، ومن قبله الوزيران مختار خطاب وعاطف عبيد. وقد تصرف محمود محيى الدين فى مشروع المشاركة الشعبية بحكمة أهل الريف (زواج البنات سترة والبايرة مالهاش مهر)، ولعل هذه الحكمة الريفية تبرر اختيار مشروع محيى الدين لأصل واحد من أصول مصر للرشة الجريئة على المواطن المصرى. واستبعاد الأصول الأخرى لأن الأصل فى فكر الحزب الوطنى (قديمه وجديده) هو البخل على المواطن بأبسط حقوقه، وإذا اضطرت الحكومة منح المواطن حقاً فيكن فى الحدود الدنيا بوصفه مواطنًا من الدرجة الثانية أو حتى العاشرة لدى هذه الحكومة وأخواتها من حكومات الحزب الوطنى. هذا القانون أو هذه الفكرة استكمال لتاريخ الحكومة مع المواطن. لو شرب يشرب مياه مش نظيفة، ولو تعلم بالمجان ففى مدارس غير مؤهلة، ولو اتعالج بالمجان يطلع روحه حتى يحصل على العلاج أو الدواء، وإذا منحته سكنا أو أرضا ففى عدة أمتار وعلى أطراف المدن والعمران، ولذلك كان من الطبيعى أن يأتى مشروع محيى الدين استكمالا لهذه النظرة، ولذلك كان من البديهى أن تمنحه أسهمًا مجانية فى بواقى الخصخصة، وإذا وافقت الحكومة على أن تركب المواطن فى قطار الخصخصة فليركب فى السبنسة أو الدرجة التالتة. والحل الوحيد لتخرج الحكومة من هذه الفضيحة هو أن تعلن بصراحة أن بقية الأصول الأخرى وثروات مصر الأخرى ليست للبيع. وأن تضم هذا التعهد للقانون الجديد للخصخصة.