مشروع يهدف لاستخدام المواطن وسيطا لخصخصة القطاع العام بأبخس الأثمان:
أحمد السيد النجار
بيع مصر على طريقة «الكوبونات» الروسية
طلعت علينا الحكومة بمشروع جديد لإدارة أصول الدولة وهو الاسم الخفى لبرنامج الخصخصة. ويبدو أن الحكومة "تعبت" من جدل الإعلام والجماعة البحثية والبرلمان وأحزاب المعارضة حول كل صفقة خصخصة وما تنطوى عليه من فساد وإهدار للمال العام وتحويل ما بنته الأجيال والحكومات السابقة إلى قبضة الأجانب بتراب الفلوس، أو إلى بعض المحظوظين وأحيانا الفاسدين والمفسدين من رجال الأعمال فى الداخل، فقررت أن تنهى الموضوع دفعة واحدة، وأن تجعل من الشعب الضحية الذى يتم نهب ممتلكاته عبر برنامج الخصخصة، مسئولاً عن الخصخصة وعن إهدار الأصول العامة بأبخس الأثمان، أى تضعه فى موقع المجرم الذى قام بيده بهذه الخصخصة حتى لا تظل قواه الحية تواجه هذه الحكومة بجرائم الخصخصة الفاسدة التى اقترفتها فى خصخصة "عمر أفندي"، والبنك المصرى الأمريكى، وبنك الإسكندرية، واستكمال خصخصة شركة الاسكندرية للأسمنت، وشركة كربونات الصوديوم..إلخ هذه القائمة المكملة لكوارث خصخصة وإهدار المال العام فى عهد الحكومات السابقة عليها. واستحضرت الحكومة ووزراؤها الصغار الذين لا يرقون لقيمة وقامة الدولة الكبيرة والقائدة التى يعتلون كراسى وزارتها، بعض التجارب الفاسدة فى بعض دول شرق أوروبا وبالذات فى روسيا، عندما جرت عمليات شديدة السرعة لتدمير الهياكل الاقتصادية للدولة القديمة لضمان ألا تقوم لها قومة ثانية، فتم نقل ملكية القطاع العام إلى المواطنين عبر "الكوبونات"، فى ظل أزمة طاحنة ناتجة عن انهيار النظام القديم وعدم وجود نظام بديل للتشغيل والضمان، فاضطر المواطنون إلى بيع ما فى حوزتهم من كوبونات، وكان رجال المافيا من عصابات المخدرات والدعارة وتجارة العملة والآثار ومن كونوا ثرواتهم من الفساد ونهب المال العام حاضرين للشراء. وغسلوا أموالهم القذرة وأصبحوا مالكين للأساس الاقتصادى للدولة، وأصبحوا هم المتحكمون فى اقتصاد الدولة كما هو الحال فى روسيا فى عهد يلتسين الذى مر خلاله الاقتصاد الروسى بأسوأ عهوده على الإطلاق سواء من زاوية انهيار الناتج أم سوء توزيع الدخل ووجود حفنة من الأباطرة الفاحش والثراء، وعشرات الملايين من البؤساء، وتم إلحاق أقسى الإهانات بروسيا وهى دولة عظيمة وبشعبها وهو شعب يملك ميراثا حضاريا ونضاليا جبارا، خلال ترويج صورة عالمية عن شعب بائس تضطر بعض من بناته لاحتراف أحط المهن. وظل الأمر هكذا إلى أن جاء بوتين محاولا استعادة قوة بلاده ومكانتها وأعاد سيطرة الدولة على بعض الشركات العملاقة مثل شركة يوكوس النفطية، وحقق إنجازات قوية أخرجت بلاده من منحدر المهانة الذى ألقى بها يلتسين إليه، وساندته ظروف ارتفاع أسعار النفط ليحقق قفزة عملاقة لبلاده. المشروع الجديد: صغار يعبثون بأملاك دولة كبيرة. يتلخص مشروع الحكومة الجديد لخصخصة القطاع العام فى تقسيم شركات القطاع العام الباقية فى حوزة الدولة إلى ثلاثة أقسام: الأول هو الشركات التى سيتم خصخصة 70% منها، والثانى 49% منها، والثالث 33% منها. وسوف يتم توزيع صكوك على المواطنين الذين تجاوزت اعمارهم 21 سنة بقيمة أشارت التقديرات الحكومية إلى أنها ستكون فى حدود 400 جنيه للفرد مرة واحدة ونهائية، وذلك بعد أن كانت هناك تقديرات بأنها ستكون خمسة أضعاف هذا الرقم. ومن البداية فإن إعطاء الصكوك للمواطنين فوق 21 سنة فقط، يعنى تمييزا عمريا لا مبرر له، ويسقط عن المواطنين دون هذه السن، حقوقهم فى الأصول العامة لبلدهم. وهذه الصكوك لا تخص شركة معينة يملك فيها المواطن سهما أو عدة أسهم بل هى صكوك لملكية الحصص المطروحة للخصخصة على الشيوع. وسوف يكون للمواطنين حق بيع صكوكهم من اليوم الأول. وسوف تتحرك أسعار الصكوك ارتفاعاً أو انهياراً حسب الحال فى البورصة. وللعلم فإن سجل البورصة المصرية منذ التوسع الكبير فى نشاطها مع بدء برنامج الخصخصة، هو سجل أسود بالنسبة لصغار ومتوسطى المستثمرين، حيث شهدت كما هائلا من التجاوزات وعمليات التواطؤ على حسابهم لصالح كبار العملاء واصحاب الشركات الخاصة والنفوذ السياسى، ورغم تحسين الضوابط فيها إلا أنها ما زالت بورصة مضاربات الغلبة فيها للأموال الساخنة وكبار العملاء، ما يعزز احتمالات البيع الجماعى للصكوك منذ البداية، إذا قدر لهذا المشروع الخبيث أن يتحقق لا قدر الله. وسوف يخصص 10% من الأسهم لصندوق الأجيال القادمة الذى تتضمن توظيفات الأموال الموجودة به الإنفاق على تنشئة الأجيال الجديدة أى رعايتهم وتعليمهم وتدريبهم، وبالتالى فإن موارده ستستخدم فى تمويل إنفاق جار. وللعلم فإن أفضل ما تفعله اى حكومة للأجيال القادمة هو أن تترك لهم على الأقل، الجهاز الإنتاجى الذى بنته حكومات وأجيال سابقة، إذا لم يكن فى مقدورها أن تضيف إليه وتطوره. وعلى الجانب الآخر فإن المشترين للصكوك التى تخص كل الشركات المطروحة للخصخصة سوف يمكن للفرد منهم شراء 5% من صكوك كل الشركات دون أى اى مشكلة، ثم تبدأ متابعة من يستحوذ على أكثر من 5%، وعندما يصل إلى 10% من صكوك كل الشركات، فإن ذلك يخضع للدراسة ويستلزم تصريحا حكوميا بذلك. وبالتالى فإنه لو اجتمع 11 من رجال الأعمال القادمين من الاقتصاد الأسود أو الأبيض وقاموا بشراء الصكوك من المواطنين، فإنهم يمكنهم شراء كل الشركات التى طرحت للخصخصة دفعة واحدة. وإذا كانت ضوابط الاستحواذ تعطى الهيئة العامة لسوق المال الحق فى الاعتراض على زيادة حصة أى مستثمر فرد على نسبة 10%، فإن ازدواج السيطرة على السلطة والثروة خلال وجود رجال أعمال فى الحكم سيجعل هذه الضوابط كأن لم تكن عندما يتعلق الأمر برجال أعمال لديهم نفوذ سياسى. وهذا التوجه الحكومى لتستكمل خصخصة القطاع العام خلال 18 شهرا على اقصى تقدير، هو اتجاه أهوج يفتقد للعقل والمنطق لأنه يأتى فى ظروف عالمية وإقليمية معاكسة، حيث إن العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا، يشهد تحولا جوهريا فى النمط الرأسمالى نحو قيام الدولة بدور محورى فى حفظ التوازن الاقتصادى وضمان الوظائف ورفع مستوى التشغيل، مستخدمة فى ذلك آليات التأميم الاختيارى الكلى أو الجزئى للعديد من المؤسسات المالية والشركات الخاصة المعرضة للانهيار تحت وطأة الأزمة المالية الراهنة، وذلك ضمن خطط الإنقاذ لمواجهة الأزمة، فيما يمكن تسميته بالعمعمة، أى بيع جزء من القطاع الخاص للقطاع العام. فيما يشكل اعترافاً عالمياً بخطأ ترك قوى السوق حرة بلا ضوابط، لأنها تفقد عقلها ببساطة وتحتاج للدولة الرأسمالية لتكون هى هذا العقل، وهو ما حدا برئيس الوزراء البريطانى إلى القول مؤخرا أنه أمر بالغ الخطورة أن يتم ترك قوى السوق بلا ضوابط. وهذه الدولة لا تملك القدرة على التأثير فى حركة الاقتصاد بدون قطاع عام مؤثر فى كل المجالات. وربما تكون هيمنة القطاع المصرفى والمالى الحكومى سببا رئيسيا فى عدم تعرض مصر لأزمة عاتية خلال الإعصار المالى والاقتصادى العالمى الراهن. وفى هذا التوقيت البالغ الحساسية من التحول الأمريكى والعالمى فى مواجهة تغول الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية والعالمية، تتخذ الإدارة الاقتصادية المصرية موقفاً أيديولوجيا يمينياً متشددا بالاستكمال السريع لخصخصة القطاع العام، بهدف تقليص دور الدولة لأقصى حد وإنهاء الأساس الاقتصادى لها ولأحد أسس قوتها الشاملة ونفوذها السياسى أى قطاعها العام. وإذا كان الدور الأساسى لأى حكومة هو ضمان إدارة الجهاز الإنتاجى العام الذى بنته أجيال وحكومات سابقة، بصورة عالية الكفاءة والنزاهة بما يمكنه من تحقيق أرباح يتم توظيفها لبناء استثمارات جديدة لتشغيل المزيد من المواطنين العاطلين وتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة، فإن هذه الحكومة لا تملك حق العبث بهذه الأصول العامة. الحكومة الفاسدة تستنهض فى المواطنين روح المثل المدمر: "إن خرب بيت أبوك خد لك منه طوبة" تعتمد الحكومة فى تمرير مشروعها الفاسد الجديد على استغلال كفر المواطنين بها بصورة ستجعل الفقراء ومحدودى الدخل يتساهلون مع تمرير هذه الخطة باعتبار أن الحكومة تبيع قطاعهم العام بأبخس الأثمان بدون استشارتهم أصلاً، وأن إعمال المثل الرديء "إن خرب بيت أبوك خد لك منه طوبة" هو أمر مشروع فى هذه الحالة. وهنا فإن القوى الحية فى مصر والدولة وأجهزتها السيادية مدعوة للقيام بمسئولياتها لوقف عبث الحكومة الغبية والمصابة بالعمى الأيديولوجى اليمينى المتطرف حتى بعد أن أدت الأزمة المالية فى الولايات المتحدة والعالم إلى الشفاء الجزئى لسادتهم من هذا العمى وانتباههم لأهمية دور الدولة فى الاقتصاد كحافظ للتوازن الاقتصادى وكرافعة كبرى لضمان تشغيل قوة العمل ورأس المال. ومن مساخر الحكومة وصغارها الذين يعبثون بأملاك مصر العظيمة، إعلان أن خطتها الجديدة لخصخصة القطاع العام تستهدف توسيع قاعدة الملكية، وهو أمر غريب حقا لأن قاعدة ملكية القطاع العام فى صورته الراهنة هى الأوسع على الإطلاق لأنه ببساطة مملوك للشعب كله. وإذا كان الرئيس قد وعد المواطنين خلال الانتخابات الرئاسية الماضية بتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن تحقيق هذه العدالة يتم بنظام جديد وعادل للأجور يرتبط بتكاليف المعيشة، ويتم أيضا خلال الدعم والتحويلات الاجتماعية. أما قيام الحكومة بإعطاء المواطنين صكوكا هزيلة القيمة فى شركات القطاع العام، لبيعها واستهلاك قيمتها خلال شهر واحد على اقصى تقدير، وجعلهم مجرد "محلل" أو وسيط ناقل للملكية إلى الرأسمالية الكبيرة وبالذات للذين كونوا ثرواتهم من الاقتصاد الأسود والفساد، فإنه فوق كونه عملا اقتصاديا مدمراً لدور الدولة ومكانتها ولا علاقة له بالعدالة، فإنه عملاً غير أخلاقى يستغل حالة العوز التى يعيشها غالبية أبناء الشعب المصرى بسبب سياسات الحكومة الفاشلة والمعنية فقط بمصالح الطبقة العليا. وإذا كانت الحكومة معنية بالعدالة، وبتقسيم المستحق للمواطنين عليهم بصورة مباشرة، فيمكنها أن تعطى المواطنين حصصا سنوية من ريع الموارد الطبيعية من النفط والغاز ومن ريع مشروع بالغ القدم هو قناة السويس، لأن الحكومات الكفء تعتمد فى تمويل الإنفاق العام وفى تمويل تطوير وتوسيع النشاط الاقتصادى الصناعى والزراعى والخدمى وخلق الوظائف، على إيرادات الضرائب على الأرباح وعلى التجارة الداخلية والخارجية المتزايدة فى اقتصاد مزدهر، وعلى الفائض المحول من القطاع العام والهيئات الاقتصادية. ومثل هذه الحكومات لا تحتاج للاعتماد فى تمويل إنفاقها الجارى والاستثمارى، على ريع موارد طبيعية قد تكون غير موجودة أصلا فى الكثير من البلدان، وهى فى كل الأحوال مملوكة للمواطنين بالتساوى. وإذا كانت هناك مشكلة فى كفاءة أو نزاهة قيادات القطاع العام الحالية، فإنها مسئولية الحكومة التى وضعتهم فى مواقعهم، ومسئولية آليات الرقابة عليهم التى تحتاج للتطوير خلال جهاز رقابى مستقل تماما يقدم قضاياه للقضاء وللرأى العام مباشرة ولا تقيده اعتبارات الملاءمة السياسية التى كثيرا ما قيدت عمل الأجهزة الرقابية. وفى النهاية فإن الحكومة التى لا تستطيع إدارة الأصول العامة بكفاءة ونزاهة ولا تستطيع تحقيق الأهداف التى وعد بها الرئيس المواطنين بالنسبة للتشغيل ومكافحة الفقر، عليها أن تخلى مواقعها لحكومة أخرى تستطيع أن تقوم بذلك حتى خلال الحزب الحاكم نفسه. المرحلة قبل الأخيرة للإجهاز على كل القطاع العام إذا كانت المشروعات التى سيتم خصخصة 70% منها ستقع سريعا فى ايدى مستثمرين استراتيجيين، بكل الخبرة السلبية للمشروعات التى يملكها مثل هؤلاء المستثمرين الذين يسحقون حقوق صغار المستثمرين فيها أو ما نسميهم مستثمرى الأقلية، فإن بقاء نسبة أغلبية من بعض شركات القطاع العام فى أيدى الدولة، هى مسألة مؤقتة سيتم الانقلاب عليها مستقبلا من أجل بيعها هى الأخرى، مثلما قيل فى بداية برنامج الخصخصة عن أن البيع سيكون للشركات الخاسرة فقط، ثم بيعت أكثر الشركات الرابحة أو زبدة القطاع العام. إن الخطة الجديدة للخصخصة هى المرحلة قبل الأخيرة للإجهاز على القطاع العام. أما المرحلة الأخيرة فإنها ستشهد إنهاء ما تبقى من نسب للملكية العامة فى المشروعات الاقتصادية، وترك الحرية للمستثمرين الاستراتيجيين الذين انتقلت إليهم الملكية لبيع ما فى حوزتهم للأجانب أيا كانت جنسياتهم. وبمناسبة سلوك المستثمر الاستراتيجى إزاء مستثمرى الأقلية. فإنه من المهم تذكير الجميع بما فعلته شركة بلوسيركل التى اشترت 73% من أسهم شركة الاسكندرية للأسمنت عام 1999 بسعر 80 جنيها للسهم، وهو سعر اعتبره عدد كبير من المساهمين يقل عن القيمة الحقيقية للسهم لذلك لم يقبلوا ببيع أسهمهم. وقد احتفظت الشركة القابضة للصناعات الكيماوية بنحو 1.47% من أسهم الشركة، ارتفعت إلى 6.97% بعد أن استردت الشركة الأسهم المبيعة لاتحاد العاملين لعدم التزامهم بالسداد. وهذه الحصة تتيح للشركة القابضة الاعتراض على قرارات مجلس إدارة بلوسيركل إذا كانت هذه القرارات فى غير صالح الأقلية داخل الشركة والمتمثلة فى صغار المستثمرين والشركة القابضة نفسها. وقد قامت شركة بلو سيركل ببيع الفرن الخامس الجديد تماما إلى شركة أنشأتها تحت إسم بلو سيركل مصر بمبلغ 69 مليون جنيه أى أقل من نصف سعر التكلفة، وهو نهب صريح لحقوق صغار المستثمرين والشركة القابضة وتحويل للأصول من الشركة التى يملكون حصة فيها إلى شركة تملكها بلوسيركل. ورغم اعتراض صغار المستثمرين، إلا أنهم لم يستطيعوا تجميع حائزى نسبة 5% من أسهم الشركة للاعتراض على القرار، بينما صمتت الشركة القابضة التى تملك 6.97% من أسهم الشركة بشكل مريب ويبرر الشكوك فى أنه ربما يكون صمتا غير نزيه. ولم تتوقف بلو سيركل عند هذا بل إنها امتنعت عن توزيع أى أرباح من صافى أرباح الشركة التى بلغت 113.9 مليون جنيها عن ميزانية عام 2001، وكان من المفروض أن تكون حصة الشركة القابضة من هذه الأرباح نحو 7.9 مليون جنيه بواقع 9.5 جنيه لكل سهم. وبسبب هذا التعسف والتعدى على حقوق الأقلية بدأ النزاع القانونى بين الشركة القابضة وبين بلوسيركل عام 2002. وأمعنت الشركة فى نهبها لحقوق الأقلية بقيامها بتغيير النظام الأساسى لهامما أوقع حسب الشركة القابضة للصناعات الكيماوية، خسائر فادحة بصغار المستثمرين وبالشركة القابضة المالكة لحصة أقلية فى الشركة. وفى يناير من عام 2005 عقدت الجمعية العامة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية اجتماعها برئاسة وزير الاستثمار وقررت بيع حصة الأقلية فى شركة الإسكندرية للأسمنت باعتباره حلا للنزاع القانونى الذى استطال كثيرا ولم تحصل الشركة القابضة على أى عوائد أو أرباح منذ عام 2000. وهذا الحل بالبيع لشركة بلوسيركل هو بمثابة استسلام غير مفهوم، للمنطق اللصوصى لشركة بلوسيركل، وهو يعكس أن العقد الذى تم إبرامه لبيع حصة أغلبية لشركة بلوسيركل هو عقد فاسد وفى مصلحة الشركة المشترية على حساب المال العام وصغار المستثمرين ويستحق من أبرموه أن يحاكموا باعتبارهم سهلوا نهب المال العام ونهب صغار المستثمرين. والأسوأ من كل ما سبق أن الشركة القابضة ووزير الاستثمار قبلا ببيع الأسهم الباقية بحوزة الشركة القابضة إلى الشركة المالكة لأغلبية الأسهم بسعر 30 جنيها للسهم، علما بان آخر سعر لتداول هذا السهم قبل بيعه كان 48 جنيها!! وقد جاء البرنامج الجديد للخصخصة فى أعقاب صفقة بيع شركة كربونات الصوديوم المصرية التى تشكل واحدة من علامات التخبط وسوء التقدير لدى القائمين على هذا البرنامج الذين لا يدركون قيمة وقامة الدولة الكبرى القائدة التى يبيعون ممتلكاتها. فالشركة المذكورة هى الوحيدة من نوعها فى مصر والشرق الأوسط، كما أنها شركة تحقق أرباحاً فى أعمالها، ولا يوجد مبرر اقتصادى لبيعها الذى تنحصر مبرراته فى الاختيار الأيديولوجى اليمينى المتشدد للمجموعة الاقتصادية فى الحكومة المصرية التى تريد إنهاء سيطرة الدولة على أى قواعد اقتصادية مهمة حتى لو كانت ضرورية للغاية لتحقيق التوازن الاقتصادى الكلى وتنمية الاقتصاد ورفع مستوى التشغيل فيه. و"الطريف" أنه فى الوقت الذى أعلنت فيه الحكومة المصرية عن قرارها ببيع الشركة، فإن مجموعة من الشركات الخاصة أعلنت عن اتفاقها مع شركتين إحداهما يابانية والأخرى إيطالية من أجل إنشاء مصنع للغلايات أى المراجل اللازمة لمحطات الكهرباء بتكلفة مبدئية قدرت بنحو 5 مليارات جنيه. ووجه "الطرافة" أن مصر كان لديها بالفعل شركة قطاع عام هى شركة النصر للغلايات (المراجل البخارية)، وكانت تقوم بتصنيع الغلايات العملاقة لمحطات الكهرباء وعبوات المتفجرات. ورغم كونها شركة استراتيجية ورافعة مهمة من روافع الصناعة المصرية أو أحد مكونات قلبها النابض، ورغم كونها واحدة من الشركات النادرة فى الدول النامية التى كانت تملك ما يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة من هذا النوع من الصناعات فى بداية تسعينيات القرن العشرين...رغم كل ذلك فإن الإدارة الاقتصادية المصرية باعت تلك الشركة المصرية العامة لشركة أمريكية كندية بقيمة تقرب من 1% فقط من قيمة عقد إنشاء الشركة الجديدة التى سيؤسسها القطاع الخاص المصرى مع شركات يابانية وإيطالية. وكانت الشركة الأمريكية الكندية التى اشترت شركة النصر للغلايات (المراجل البخارية) قد تولت تدمير هذه الصناعة، حتى لا يملك بلد نامى مثل مصر صناعة مهمة من هذا النوع، حيث أوقفت إنتاج الغلايات العملاقة حتى تضطر مصر لاستيرادها من الولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول الكبرى المنتجة لها، ثم باعت الشركة التى انتهى الأمر بها إلى تخطيط الشركة المصرية التى اشترتها مؤخرا، لتقسيمها وبيعها كأراض للبناء أو إقامة مشروع عقارى عملاق عليها. وكأن الحكومة قد أهدرت أصلا إنتاجيا استراتيجيا لتبحث شركات خاصة عن إقامة أصل بديل له بقيمة تبلغ 100 ضعف سعر بيع الأصل الذى تم إهداره بالخصخصة بسعر بالغ التدنى ينطوى على نهب المال العام فى وقت كان عبد الوهاب الحباك هو رئيس الشركة القابضة وكان عاطف عبيد هو وزير قطاع الأعمال آنذاك، وبدلا من معاقبته على ما حدث من إهدار لشركات استراتيجية وللمال العام أثناء توليه وزارة قطاع الأعمال العام وإشرافه على عملية الخصخصة سيئة السمعة، تم تعيينه رئيسا للوزراء ليضع مصر فى نفق مظلم من تردى الأداء الاقتصادى بعد ذلك. وفى نفس السياق أدى بيع شركات الأسمنت للمستثمرين الأجانب إلى نشوء تكتل احتكارى بين هذه الشركات بما أدى لرفع أسعار الأسمنت بصورة لا علاقة لها بتكلفة إنتاجه لتحقيق أرباح احتكارية استثنائية لتلك الشركات على حساب مصالح مصر وشعبها، دون أن يستخدم وزير الصناعة حقه فى التسعير المؤقت للأسمنت حماية للمستهلكين، فلماذا نكرر نفس الخطأ ببيع شركة حكومية محتكرة للسوق المحلى، للقطاع الخاص الأجنبى أيضا حيث تم بيعها لشركة بلجيكية؟! وفى النهاية فإن كل القوى الحية فى مصر فى البرلمان بأغلبيته ومعارضته، وفى الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية، مدعوة للعمل بكل قوة من اجل إسقاط هذا المشروع الخبيث. ولأن من أفسد لا يمكن أن يكون هو المؤهل للإصلاح، فإن هذه الحكومة التى لم تجلب للشعب سوى الكوارث التى تغول الفساد فى عهدها أكثر من ذى قبل خاصة بعد سيطرة رأس المال مباشرة على مواقع مهيمنة فى الحكومة وفى مراكز صنع القرار البرلمانى، آن لها أن تذهب، فهل يفعلها الرئيس ويوقف هذا المشروع الخبيث للخصخصة المدمرة لمكانة الدولة ولحقوق المواطنين، ويستجيب لنبض الناس وأشواقهم ويقيل هذه الحكومة الفاشلة ويأتى بحكومة إنقاذ وطنى تصلح ما أفسدته هذه الحكومة وتساعد مصر على المرور الآمن من تأثيرات الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية والعالمية؟