لم أقتنع يوماً بحكاية حوار الأديان التى استجدت علينا مؤخراً، ذلك لأن الأديان ليست من صنع البشر ولا ابتكارهم بل أتت من السماء. لذلك سميت الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام بالديانات السماوية. ويقينا أنه مهما بلغ تبحر علماء هذه الديانات فى علمهم وعظم مكانتهم الدينية فليس فى مقدور أى منهم أن يغير أو يبدل من أركان الدين الأساسية. كان الأولى البحث عن القواسم المشتركة والاكتفاء بذلك، ومع ذلك يبقى السؤال مطروحاً حول الغاية من مؤتمرات حوار الأديان التى تعقد بين الحين والآخر، ولقد قرأت كتاب «الإسلام وقضايا الحوار» للدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف.ولم اقتنع دون أن يعنى ذلك التقليل من أهمية الكتاب وقدر مؤلفه. فى ظنى أن الموضوع طرح عندما استبان بوضوح ظهور الصحوة الإسلامية الراهنة التى جاءت كرد فعل طبيعى لأزمة طال العهد بها، وهى أزمة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية تمثلت فى الهيمنة الغربية على أقطار العالم الإسلامى اقتصادياً وثقافياً واحتلال أقطاره، المغرب الجزائر تونس التى احتلتها فرنسا وليبيا التى احتلتها إيطاليا ومصر التى احتلتها بريطانيا ومعها إمارات ومشيخات الخليج. ثم جاء الغزو الصهيونى لفلسطين وتشريد شعب بكامله والذى جاء تنفيذاً لوعد بلفور وزير خارجية بريطانيا، وبعده جاء وعد بوش الولد المكمل لوعد بلفور والذى منحه لشارون فى اليوم التالى لزيارة الرئيس مبارك لمزرعة بوش فى صيف 4002. هذا فضلاً عن غزو العراق وأفغانستان والتهديدات التى تواجهها الجمهورية الإسلامية فى إيران. هذه الصحوة الإسلامية استندت طبعاً إلى أن الإسلام يوفر قاعدة من المشروعية الدينية للتصدى لهذا الاحتلال وتقديم الأساس الدينى لمشاعر العزة والكرامة. وهناك شبه إجماع بين علماء الدراسات الإسلامية أن كل الحركات الإسلامية تقريباً التى شهدها العصر الحديث فى كل أنحاء العالم الإسلامى تقريباً كانت على نحو ما تنويعات على لحن مزدوج قوامه الاحتجاج على التدهور الداخلى والتدخل الخارجى. قبل أحداث 11 سبتمبر وتدمير مركز التجارة العالمى فى نيويورك ظهرت الحاجة الأوروبية لتهدئة نفوس العرب المسلمين، وطرح موضوع الحوار العربى - الأوروبى، وجرت عدة لقاءات كان يمكن أن تكون بداية للتوصل إلى تفاهم مشترك، لكن جاءت زيارة السادات إلى إسرائيل وعقد اتفاقية كامب ديفيد لتخرج مصر من الصف العربى. ومن ثم فإن الوفد العربى تشرذم ووجدت أوروبا نفسها فى مواجهة مجموعتين عربيتين واحدة مصرية وأخرى تمثل الغالبية من الدول العربية بما أدى فى النهاية إلى توقف جلسات الحوار. لكن فى عام 1991 بدأت حكاية حوار الأديان، وكانت بداية سيئة للغاية، وهى التى اكشف اليوم تفاصيلها وللمرة الأولى، فقد كنت شاهداً عليها حيث عقد المؤتمر فى مالطا التى كنت أعمل سفيراً لمصر لديها، وهذه الحكاية أرويها لاتصالها بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور سيد طنطاوى وما أثاره لقاؤه مع شمعون بيريز رئيس الدولة العبرية من استياء وهو ما تناوله باقتدار الأخ الأستاذ فهمى هويدى فى صحيفة «الدستور» فى عددها الصادر بتاريخ 1/21/8002. البداية جاءت من روما، كان لمصر زميل لدى الفاتيكان، حيث اتصلوا به (من هم؟) وأبلغوه أن مؤتمراً لحوار الأديان سوف يعقد فى «كالتا» عاصمة مالطا، وأنهم يطلبون منه شخصياً أن يقوم بدور لإقناع فضيلة الشيخ سيد طنطاوى بحضور هذا المؤتمر الذى سينتهى بحفل يقام من أجل السلام!! وقد قبل السفير المهمة وسافر إلى القاهرة وقابل طبعاً فضيلة الشيخ كما قابل كبار المسئولين لذات الغرض، وانتهى الأمر بالحصول على الموافقة وحضور فضيلة الإمام هذا المؤتمر. الذى نظم هذا المؤتمر واتفق عليه هو (دولة) فرسان مالطا التى ليست دولة وليس لها مكان على الخريطة ومع ذلك لها سفارة هنا فى القاهرة!! تواكب مع عقد هذا المؤتمر ترشح الدكتور بطرس بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. وقد دعى لحضور هذا المؤتمر لحوار الأديان هو الآخر، وعندما اتصلت بسيادته وأبلغته بالبرنامج الذى أعددته لزيارته، فقد عاتبنى برقة وأفهمنى أنه سيحضر لغرض غير حضور المؤتمر وزيارة مالطا إنما بغرض مقابلة الكاردينالات (جميع كاردينال إن صح هذا الجمع) الذين سيأتون من الفاتيكان، فهؤلاء لهم نفوذ دينى وسياسى فى أنحاء العالم ويهمه أن أرتب له مواعيد لقاءات معهم فغرضه من الحضور إلى مالطا هو حملته الانتخابية أساساً. عقد المؤتمر الذى حضره حاخامات يهود وكاردينالات الفاتيكان كما حضره شخصيات إسلامية غير معروفة إلى جانب مقام فضيلة الإمام الأكبر، كما حضره أيضاً رجال دين هندوس وبوذيين. عقد المؤتمر وألقيت فيه كلمات لكنه انتهى إلى لا شيء! الأخطر كانت حفل الختام الذى سموه حفل السلام!! أعد المسرح الذى كان على شكل منصة مدرجة.. منصة على اليمين ومنصة على الشمال وبينهما ممر، وأمام المنصة جلس المدعوون من سفراء ووزراء وكبار رجال الدولة والمسئولين، وقاموا بإضاءة الشموع وإطفاء الأنوار، وأعطوا كل مدعو شمعة، وبالمناسبة فإن الشموع أنواع يعرفها جيداً زوجات بعض السفراء وزوجات كبار الأثرياء، فهناك شموع تحترق بعد نصف ساعة وبعضها من نفس الحجم يبقى مضيئاً عدة ساعات، وهى عادة التى يستخدمها السفراء والأثرياء لإضاءة مائدة الطعام فى حفلات العشاء التى يقيمونها، وكان المنظر مبهراً. لكن الكارثة أنهم أجلسوا على الجانب الأيمن من المنصة الحاخامات والكاردينالات، وعلى الجانب الأيسر رجال الديانات غير السماوية الهندوس والبوذيون ورجال الدين الإسلامى وفى الصف الأول فضيلة الإمام الدكتور سيد طنطاوي!! وللأمانة فإن فضيلة الإمام لم يلحظ ذلك، فقد قاده أحد المنظمين للحفل إلى مقعده فجلس، ولم يكن فى مقدوره أن يعرف أنه يجلس فى ناحية رجال الأديان غير السماوية. كنت أجلس خلف مقعد وزير خارجية مالطا آنذاك (السيد دى ماركو الذى أصبح فيما بعد رئيساً للوزارة ثم رئيساً لجمهورية مالطا) وكانت تربطنى به صداقة متينة، وتنبهت إلى هذه الإهانة.. هذه الكارثة فاستجمعت شجاعتى وربت على كتفه وأبلغته بما لاحظته فى أذنه، وسمعنى جيداً وسكت لدقائق ثم التفت نحوى قائلاً: «ما لاحظته صحيح تماماً». كان هذا كافياً لأن أغادر مقعدى والتوجه صوب المنصة إلى فضيلة الإمام لأوضح له الأمر وأطلب منه مغادرة الحفل، وفعلت لكن قبل الوصول إلى المنصة اعترضنى الزميل الذى يعمل فى الفاتيكان فأبلغته بما لاحظته وبما عزمت عليه، لكنه صرخ قائلاً: «أرجوك لا تفسد حفلتي»!! يهمنى أن أذكر أمرين: الأول أن فضيلة الإمام غادر الحفل ولم يحضر حفل الاستقبال الذى كان سيعقب حفل السلام!!!1 وذهب مباشرة إلى الفندق. الأمر الثاني: أن أخانا الزميل بعد أن انتهت فترة عمله فى الفاتيكان وعاد فإنه وجد فى انتظاره وظيفة براتب ضخم فى أحد الفنادق الشهيرة الكبرى ويمتلك شاليهاً للاصطياف فى الساحل الشمالى قيمته ما بين أربعة وخمسة ملايين جنيه! هذا هو حوار الأديان الذى صدعوا رءوسنا بالكلام والكتابة عنه، ولست أشك فى أن حفل مؤتمر الأديان فى مالطا كان مجرد (بروفة) لحفل مؤتمر الأديان الذى عقد فى نيويورك وحضره خادم الحرمين الشريفين وحضره شمعون بيريز، وحضره بموافقة وإذن فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وكانت المصافحة التى أثارت ضجة. الدولة التى تفرط فى ثروتها من الغاز الطبيعى وتعطيه مجاناً تقريباً لإسرائيل فى وقت توقفت فيه محطة كهرباء غزة تماماً عن العمل بما يؤدى إلى موت العشرات من المرضى فى غرف العناية المركزة هى ذات الدولة التى توافق على أن يكون كبار رجال الدين لديها مجرد كومبارس فى حفل نيويورك لحوار الأديان. تفريط هنا.. وتفريط هناك..