12-07-2010     11206

 


 

أنتج عام 2008 ومازال ينتظر العرض العام!


محمد الروبي


 
فيلم «بصرة».. قراءة لكابوس الغربة فى زمن القهر

"بصرة" هو الفيلم الروائى الأول للمخرج أحمد رشوان الذى سبق وأن أخرج مجموعة كبيرة من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، وهو الفيلم إلى يمكن وصفه بـ"العصامي" باعتباره أولا: التجربة الأولى كتابة وإخراجاً لأحمد رشوان، وثانيا لأنه تم تصويره بطريقة الديجيتال وتم تحويله بعد ذلك إلى "35 مللي" عبر منحة خاصة. وثالثا لأنه يضم مجموعة من شباب الممثلين بعضهم يظهر لأول مرة وبعضهم الآخر يعرف طريق الشهرة منذ سنوات قليلة مثل "باسم سمرة" و"إياد نصار"، وباعتباره أخيرا حقق أكثر من جائزة فى أكثر من مهرجان بدأت بجائزة أفضل تصوير لفيكتور كريدى من مهرجان فالينسيا عام 2008، ثم جائزة أفضل سيناريو مناصفة مع فيلم "عيد ميلاد ليلي" للمخرج الفلسطينى رشيد مشهراوى من مهرجان القاهرة السينمائى الدولي، ثم جائزة أفضل إخراج عمل أول من مهرجان القومى للسينما المصرية 2009 وجائزة الإنتاج الثالثة من المهرجان نفسه، ثم جائزة أفضل ممثل لباسم سمرة من مهرجان روتردام للفيلم العربى عام 2009، وجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم طويل من مهرجان بروكسل للفيلم العربى 2009 
إلا أن الفيلم، ورغم كل هذه النجاحات التى حققها فى المهرجانات العالمية والمحلية، لا يزال يبحث عن دور عرض تتيح لجمهور السينما المصرية مشاهدته وهو الأمر الذى يلقى بنا إلى منطقة الاحتكار السينمائى الذى يتمثل فى سيطرة بعض شركات (قليلة) على سوق السينما المصرية وامتلاكهم لحقوق الإنتاج والتوزيع ودور العرض فى آن واحد.  
ومع ذلك لم يكف الفيلم عن العرض فى كثير من المنتديات الثقافية المصرية، وكان آخرها فى الشهر الماضى حين استضافته جمعية نقاد السينما المصريين ودار حوله حوار راق بين مخرجه ونخبة من النقاد استمر لأكثر من ساعة ونصف الساعة. 
"بصرة" لا يدور عن تلك المدينة العراقية الشهيرة ولكنه يدور فى القاهرة على خلفية أحداث الغزو الأمريكى للعراق. فكلمة بصرة لها دلالة أخرى جاءت من لعبة "الكوتشينة" ويستخدمها المصريون فى حواراتهم تعليقا على تشابه الأشياء والمواقف وهو التشابه الذى سيلحظه المتلقى بين ما يحدث فى نقطة ساخنة من الوطن العربى وهى "العراق" وتحديدا إبان سقوط بغداد فى يد الأمريكان بعد حرب لم تستمر لأيام طويلة، وبين مواقف وأحداث خاصة بشخصيات الفيلم وبالواقع المصري، بل والعربى كله. 
ينتمى الفيلم إلى ما يمكن تسميته بالرحلة داخل وعبر شخصية محددة تستهدف الكشف عن مكنون هذه الشخصية التى ستكشف بدورها عن علاقات اجتماعية متشابكة هى فى حقيقتها انعكاس لتشابك وتعقد واقع بات يشعر مثقفوه وفنانوه باغتراب شديد. 
فشخصية الفيلم الرئيسية طارق هو فنان (مصور فوتوغرافي) يلاحق الوجوه والأحداث، يلتقط اللحظة العابرة ليسجلها فى عمل فنى يخلدها إلى الأبد، وهانحن نتعرف عليه فى المشهد الأول من الفيلم يجلس فى سيارة بجوار سيدة شابة سنعرف بعد قليل أنها زوجته، وسنفاجأ بأنهما ذاهبان إلى مكتب مأذون شرعى ليوثقا قرار طلاقهما رسميا.. لكن المفاجأة ستزداد حين يعودان إلى منزلهما حيث نرى طارق يطيب خاطر مطلقته بحنان بالغ، بل ويغيب معها فى قبلة ساخنة تلقى فى وجوهنا بالسؤال: لماذا إذن كان الطلاق؟!. 
لكن أحداث الفيلم، المعتمد فى بنائه على النسج الدقيق عبر كاميرا متأملة متمهلة، سيكشف بالتدريج عن طبيعة شخصية هذا الفنان الذى يصيغ طوال الوقت قوانينه الخاصة فهذا قانون "الطلاق" وذلك قانون "الغربة" وثالث قانون "العزلة"... إنه يعانى من وحدة دائمة رغم مجموعة أصدقائه الذين سنتعرف عليهم مع توالى الأحداث، وهو بوهيمى يتابع الأحداث ولا يشترك بها، يحزن لما يدور حوله من صراعات سياسية واجتماعية لكنه يكتفى بالمشاهدة والتعليق و"التصوير"، باحث دائم عن اللذة لكن تحكمه أخلاقيات تخصه قد يراها البعض متجاوزة بينما يراها بعض آخر قيدا لا يليق بفنان. 
منذ المشاهد الأولى للفيلم ينجح الكاتب والمخرج أحمد رشوان فى رسم ملامح شخصيته الرئيسية والتى ستزداد وضوحا وتكتسى لحما كلما ازددنا توغلا فى أحداث الفيلم. فهاهو يلقى بنا أمام الـ"البصرة" الأولى التى ستواجه بطله طارق حين يرى وجه فتاة فى حفلة عامة فيجذبه ولا يجد حرجا فى أن يخرج آلة التصوير ليسجل لها صورة يحتفظ بها على حائط منزله المكتظ بالوجوه.. وتكتمل البصرة حين يلقاها فى محل تحميض الأفلام ليفاجأ بأنها ـ أيضا ـ مصورة صحفية وأنها مطلقة حديثا مثله تماما. 
"طارق" و"نهلة" ستنشأ بينهما علاقة ستتعمق بالتدريج، وإن أرادها هو فى البداية "جنسية عابرة" لكنها ترفض بمنطق يجعله يزداد اكتشافا لذاته، فهى لا تعترض على العلاقة الجنسية إذا ما كانت تتويجا لعلاقة حب حقيقية، لكنها لا تقبل أن تقف العلاقة عند حدود متعة زائلة وإن كانت تحتاجها.  
هكذا يرسم أحمد رشوان لوحته بفرشاة دقيقة متأنية تهتم بالتفاصيل لتخرج شخصياته تعبر عن نفسها دون موقف مسبق منه، يتعاطف معها ولا يدين أيا منها مهما كانت أخطاؤها. وهو الأمر الذى سيتأكد باختياره للقطات القريبة حيث تظهر انفعالات الوجوه وتصنع مع متلقيها جسرا من التواصل. 
الرسم الدقيق للشخصيات لا يقف عند الشخصيتين الرئيسين ولكنه يمتد ليطال بقية شخصيات الفيلم أو مجموعة أصدقاء "طارق" وخاصة ذلك المخرج الشاب الذى يعمل فى مجال الإعلانات من أجل هدف واضح وصريح، هو جمع أكبر قدر من المال ليحقق حلمه فى شراء "فيللا" على أطراف المدينة يقضى فيها ما تبقى من عمره إلا أن صدمة موته المفاجئ ستعصف ببطلنا وبنا لنفيق ويفيق "هو" على حقيقة أنه كان، وكنا معه، نحيا على هامش حياة تموج من حولنا بصراعات تهددنا وتواجهنا ونهرب منها طوال الوقت حتى تأتى اللحظة المفصل، فهاهى الصورة على الشاشة واضحة وجلية.. بغداد احتلت.. وسقط التمثال.. وهاهو بطلنا ينهار لطما على خديه فى عجز يعكس ما كان يحيا من هروب دائم ببحثه عن قنص تافه جديد!!. 
ولعل أجمل مشاهد الفيلم هو ذلك الذى يأتى قبيل وفاة الصديق، حيث طارق يشاهد على التلفاز خبر وفاة مراسل قناة الجزيرة بشظية أمريكية وينهار فى بكاء على ذلك الشاب الذى استشهد وهو يؤدى واجبه الإعلامي، فيأتيه صوت أحد الأصدقاء على الهاتف ليواسيه فيظن طارق أن مواساة الصديق تخص استشهاد مراسل الجزيرة فيفاجئه الآخر بأنه يخص صديقهما الفنان صاحب الـ"فيللا" الذى اختطفه الموت دون إنذار.  
المزج إذن بين الخاص والعام يزداد توغلا، من دون خطابة وباتساق مدهش مع الأسلوب الذى اتفق عليه الفيلم معنا والمعتمد على خيط من هنا وآخر من هناك ليكتمل النسيج الجارح المفعم بالشجن. 
الحرب الأمريكية العراقية تطول شخصيات الفيلم جميعهم رغم أنهم كانوا مثل "طارق" لا يهتمون بالهم العام إلا فى حدود مشاهدة الأخبار على التلفاز، لكن هاهى الحرب توقف نشاط السياحة فى مصر لتواجه البطالة صديقا آخر متزوج حديثا وتؤثر على علاقته بزوجته التى تصرف وحدها الآن على المنزل!. 
وهاهى الحرب تتسبب فى طرد المصورة "نهلة" من مكتب الجريدة التى تعمل بها لتغرق فى عزلة داخل منزلها لا تتصل بالعالم إلا عبر التلفاز وشاشة كاشفة لكل من يدق بابها وترفض استقباله.  
الحرب إذن تصنع "بصرة" بل "بصرات" لجميع الشخصيات دون قصد منهم فإن كانوا هم اختاروا العيش على هامش الحياة فهاهى الحياة تقتحمهم بقسوتها وتجبرهم على المشاركة.. فهل يستجيبون؟ 
"بصرة" أخيرة تواجه طارق عبر اتصال هاتفى من فنانة شابة تسأله الاستعانة بلقطاته فى عرضها العرائسى عن حرب العراق، فالدخول العابر لهذه الشخصية يستكمل نسج روح "طارق" الجديدة، فهاهى الشابة الصغيرة، التى تحرص على المشاركة بفنها فى أحداث ترفض أن تكون فيها مجرد رقم أو نقطة فى لوحة يرسمها غيرها، تدعوه إلى الحياة مرة أخري، وتعيد إليه ثقة كاد يفقدها "إن أردت أن تكون فنانا بحق تسلح بإيمانك بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا ما اشتركنا فى صياغته". 
درس الفنانة الصغيرة يعيد طارق إلى الحياة فيدعو بدوره حبيبته إليها ويخرجان معا إلى حيث النيل، يحملهما قارب صغير يلقيان فيه بأوراق "الكوتشينة" التى تحمل صور "صدام" وأعوانه لتذهب جفاء، بينما الكاميرا تبتعد لتحتضن "القاهرة" من عل، وصوت الفنانة الصغيرة يشدو بأغنية ترفض الرضوخ لموت عبثي. 
نهاية متفائلة، أو بالأحرى رافضة للرضوخ لمحبطات تزخر بها حياتنا الآن، نهاية اتفق معها البعض واختلف معها البعض الآخر، لكنها تعكس محاولة صادقة لفنان أراد أن يطرح سؤاله الخاص حول ما يدور حولنا، فهل سيعطونه فرصة العرض العام، أم سيتحفظون على الفيلم داخل العلب ليكون مع مخرجه عبرة لكل من تسول له نفسه بالتطاول ولو بمجرد السؤال!! 
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من