نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا قالت لـ «العربي» إن النخبة تروج لعودة النساء
حوار: غريب الدماطي
تهانى الجبالي: رفض تعيين المرأة بمجلس الدولة أصابنى بالدهشة والحزن
»مصر تراجعت إلى المرتبة الـ 12 بين الدول العربية التى تتولى فيها المرأة القضاء » انتهاك الحقوق الدستورية والقانونية يعنى أن البديل هو الفوضى »القضاء العادى به 42 قاضية بينهن اثنتان رؤساء دوائر »لا يجوز لأى سلطة إجراء استفتاء على حق دستورى لأى فئة »ما حدث فى عمومية مجلس الدولة محاولة لتسييد الرأى الشخصى »أراهن على الجينات الحضارية للشعب المصرى فى هزيمة الوافد الذى يؤدى إلى التخلف » التراجع الثقافى أصاب النخبة كما أصاب الطبقات الشعبية »الممارسة كفيلة لتصويب تخوفات التيار المحافظ
أثار قرار الجمعية العمومية لمجلس الدولة بشأن رفض تعيين قاضيات بالمجلس جدلا كبيرا داخل السلطة القضائية والأوساط السياسية بل والمجتمع المصري، الأمر الذى اعتبرته المستشارة تهانى الجبالى نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، تراجعا إثر اختراق ثقافى وافد أهدر قيما كثيرة. ووصفت نائب رئيس المحكمة الدستورية قرار عمومية مجلس الدولة بالمحاولة لتشيع الرأى الشخصى وتجنب الثوابت الدستورية والقانونية. وقالت المستشارة تهانى الجبالى فى حوارها مع «العربي» إن الأزمة الحالية تعد جزءا لا يتجزأ من المشكل الثقافى الذى يتجذر فى المجتمع المصرى الذى يتراوح بين آراء دينية متشددة ودنيوية متشددة أيضا سبق أن قتلت بحثاً وانتهت إلى قرارات مدروسة وفق الشرع والدستور والقانون تقضى بأن تعيين المرأة قاضيا أمر بات لا خلاف حوله، خاصة أنه لا يوجد نص قاطعا ولا سنُة مؤكدة تمنع تولى المرأة أعمال القضاء. وأضافت أن عودة الحديث عن حق دستورى للمرأة يعيدنا إلى نقطة الصفر وكأن شيئا من التقدم والتطور لم يحدث. وأشارت نائب رئيس المحكمة الدستورية إلى أنه لا يجوز لأى سلطة أو هيئة إجراء استفتاء على حق دستورى لأى فئة فى إشارة إلى ما تردد بشأن استفتاء مجلس الدولة على تعيين المرأة قاضيا.. وتاليا الحوار. { ما تفسيرك للأزمة بعد 8 سنوات من تعيين المرأة قاضياً؟ }} بصدق شديد أرى أن الأزمة الحالية هى جزء لا يتجرأ من المشكل الثقافى الذى يتجذر فى المجتمع المصري، لكن بكل المقاييس سلطة القضاء فى المجتمع ينظمها القانون والدستور والسلطة القضائية فى ذات الوقت هى المسئول الأول عن أعمال الدستور والقانون، وحين كانت الأوضاع منذ 70 عاما كانت تشير إلى ضرورة الملاءمة المجتمعية التى تتصل بتعيين المرأة فى القضاء، فبلا شك أن تلك الملاءمة قد حسمت على مستوى السلطة القضائية بقرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذى سبق تعيينى بعام أى منذ عام2001 وكان هو المدخل فى تعيينى بالقضاء الدستورى وتعيين أخريات فى القضاء العادى فيما بعد بتعيين 42 قاضية يمارسن اختصاصاتهن من على منصات القضاء منذ سنوات، فلم يكن هناك مجال أن يطرح مرة أخرى تعيين القاضيات خاصة أنه حق دستورى يتصل بالحق فى الوظيفة العامة وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التى لا تقبل القسمة على اثنين، لذا كان من البديهى أن يستقر الأمر ولا يجوز لأى هيئة أن تناقشه من زاوية الملاءمة أو زاوية الحق، لكن المفاجآت كانت فيما حدث فى مجلس الدولة وهى مفاجأة بكل المقاييس أصابتنا بالدهشة جميعا والحزن معا، لأنه بكل المعايير أن لحظة الملاءمة المجتمعية قد حسمت، وهناك هيئتان قضائتان تمارس فيهم االمرأة أعمال القضاء منذ ما يقرب من 8 سنوات، وإعادة طرح الأمر معناه أن هناك مشكلا ثقافيا لدى من طرحوا هذا الأمر فى الاستفتاء فيما بينهم، ويشهد بهذا مجمل ما قيل فى أسباب الرفض التى تراوحت بين مواقف دينية متشددة ومواقف دنيوية متشددة، أيضا وتعيد إنتاج ما تم مناقشته على مستوى الوطن على مدار سنوات طويلة واعتقدنا أن المجتمع حسم هذا الجدل الذى طال، خاصة وقد أدى بمصر إلى التقهقهر والتراجع بحيث أصبحت مصر الدولة الثانية عشرة فى المجموعة العربية التى تتولى فيها المرأة القضاء، وأود هنا أن أشير إلى أن بعض الدول العربية أجازت مشاركة المرأة فى عمل القضاء منذ 40 عاما مثل السودان والجزائر وتونس والمغرب، وهو ما كان يصيبنا بحزن شديد فيما قبل خاصة أن لمصر دورا وموقع لدى أمتها العربية، وأيضا قد سبقتنا فى ذلك 49 دولة إسلامية، والحقيقة الان هناك شكل من أشكال التراجع الثقافى فى المجتمع المصرى وهذا التراجع قد أصاب عقول النخبة كما أصاب عقول المستويات الشعبية فى المجتمع وأنا أعتبر أن الأزمة كاشفة وليست منشأة. { ما التبريرات التى ساقها بعض قضاة مجلس الدولة لرفض عمل المرأة فى القضاء وهل اقتصرت على المشكل الثقافي؟ }} ما تردد تراوح بين آراء دينية متشددة وبين ترديد مقولات قتلت حديثا وتتعلق أن المرأة عاطفية ولا تستطيع الحكم، وأن عمل القضاء شاق والمرأة ليست جديرة به وكذلك مقولات للأسف تظهر مجددا فى الأفق مثل أن المرأة مكانها الطبيعى البيت، وأعتقد أن مثل هذه المقولات إذا ترددت فى الأوساط العامة فيمكن أن نقبلها ونناقشها، لكن للأسف هذه المقولات يرددها الآن البعض من النخبة وهى مسألة قاسية جدا على القبول، كما أعتقد أن ما يتردد بشأن إعادة ضوابط تعيين المرأة فى القضاء أمر مقبول لكنه يجب يناهض ذلك أصل الحق الدستوري، وما جعلنا نشعر بالقلق الشديد هذا ما يسمى بالاستفتاء على الجمعية العمومية لمجلس الدولة ثم الحديث فيه عن القبول والرفض، والاستفتاء هنا قد جار على حق دستورى للمرأة المصرية. { هل التيار المحافظ داخل قضاة مجلس الدولة لا يريد للمرأة مثل هذا المنصب الرفيع؟ }} اتفهم وجود تيار محافظ فى القضاء المصرى شأنه شأن كل السلطات القضائية فى العالم، وأعتقد أن الممارسة الفعلية للمشاركة كفيلة بتصويب التخوفات داخل التيار المحافظ، ودعنى أحكى لك هذه الواقعة: ذات يوم تقابلت مع أول قاضية من انجلترا، وسألتها كيف استقبل قضاة انجلترا تعيينك، قالت كانوا دائما يقيمون حفل تكريم لكل قاض يعين، لكنهم لم يقيموا لى حفلة، وهذا معناه أن التيار المحافظ الذى يقف فى مواجهة تعيين المرأة فى القضاء قد ينتقل إلى أكثر الدول تقدما، فى أمريكا لم يعينوا قاضيات بعد أول قاضية إلا بعد مضى ثلاث سنوات، وليس مستغربا وجود تيارات محافظة وسط القضاة، هذا يمكن أن نفهمه، لكن لا يمكن أن نقبل أن يجور أحد على الحقوق الدستورية، مجلس الدولة ذاته الذى صدر عنه الحكم عام 1951 تحدث عن ملاءمة اجتماعية منذ 70 عاما وأعتقد أن الـ 70 عاما لم تشهد تغييرا فى المجتمع المصري، مياه كثيرة جرت، فترة طويلة من المد الثورى الذى خرجت فيه المرأة إلى التعليم «جماعات» من خلال جميع الشرائح الاجتماعية وحصلت على حقها فى العمل الذى تكرس فى كل المناحى التى كنا لا نتصور أنها لن تصل إليها، هذا كله غير وجه الحياة إلى غير رجعة لسنا فى مجتمع الأربعينيات أو بداية الخمسينيات من القرن الماضي، نحن الآن فى مجتمع تطور وحدث فيه تغيير جذرى على المستوى الاجتماعى والسياسى والثقافى ولا يجوز أن نلغى ذلك «بجرة قلم» لمجرد أن هناك تيارا محافظا فى أى فئة. { دعينا نعود إلى ما قبل 8 سنوات، ماذا كان واقع قرار تعينيك على القضاة والرأى العام؟ }} قبل الحديث عن واقع قرار تعيينى دعنى أؤكد أن هذا القرار قبل صدوره كان هناك حديث داخل كواليس العدالة فى مصر كمرحلة تحضيرية له، فلم يكن قرار تعيينى قاضية عشوائيا كما يحاول البعض تصوره، ولم يكن استجابة لضغوط كما يحلو للبعض ترديده، لكن كانت هناك مرحلة طويلة استطلع فيها الرأى الشرعى للثلاث هيئات التالية فى مصر، الأزهر الشريف ودار الافتاء المصرية ووزارة الأوقاف والتى أكدت من خلال خطابات إلى وزير العدل فى حينه أنه لا يوجد مانع شرعى «لا نص قطعى ولا سنة مؤكدة» تمنع تولى المرأة أعمال القضاة، وأعتقد أن هذا كان تحضيرا لهذا المشهد، ثم فيما بعد انعقد المجلس الأعلى للهيئات القضائية عام 2002 والذى يمثل فيه كل رؤساء الهيئات القضائية فى مصر، وصدر عنه قرار قبول بدء التعيين للمرأة فى القضاء المصرى وبضوابط السلطة القضائية وقد شارك فى هذا الاجتماع رئيس مجلس الدولة فى حينها المستشار عبدالرحمن عزوز إذ أن هذه التحضيرات على المستوى القانونى والدستورى والشرعى سبقت قرار تعيينى كقاضية فى محكمة الدستورية العليا وهى أول السلم القضائى أو قمته وأعتقد أن تعيينى فى ذلك الوقت بالمحكمة الدستورية كان رد اعتبار للمرأة المصرية منذ 7000 سنة والتى شهدت أول قاضية فى التاريخ، وسعت بفخر شديد فى حينها وقد أحطت داخل هيئة المحكمة بكل تقدير واحترام رغم حالة الترقب التى كانت سائدة فى ذلك الوقت حول كيفية عمل المرأة فى مثل هذه المحكمة، بعد لحظات تلاشت حالة الترقب تلك وأصبح هناك اهتمام شديد برأيى أثناء المداولة وإصدار الحكم وصياغته، وأعتقد أن رد الفعل الشعبى كان أهم بالنسبة لي، ربما لأننى من السيدات اللائى عملن فى العمل العام ومعروفة لدى الأوساط الشعبية، ولم أكن فخورة حينها بحجم ما وصلنى من تهنئة من الرؤساء والملوك بقدر سعادتى البالغة بكم البرقيات التى تلقيتها من بسطاء الشعب المصرى خاصة من عمال المحلة الكبرى والنقل العام وحلوان الذين ترافعت عنهم أمام القضاء أثناء عملى كمحامية، وكذلك من الصعيد الذى شاركت فى أعماله التى ترتبط ببرامج التنمية البشرية والمجتمع المدني، وكذلك القوى السياسية المصرية وهذا كان مؤشراً فى المجتمع المصري. { ماذا أضافت المستشارة تهانى الجبالى وزميلاتها إلى السلطة القضائية؟ }} أولا فخرنا بشرف المشاركة كوننا انتمينا إلى قضاء عريق عظيم أسس القضاء العربى من المحيط إلى الخليج، أجيال تتوالى وتتوارث قيما ودورا مجتمعيا نتمنى ألا نفقده فى ظل الارتباك العضوى الذى يحيط بالعمل المؤسسى والثقافى فى مصر، وأعتقد أننا إذا تعرضنا إلى تقييم علمى سنكون مفاجأة للجميع من حيث حجم الانجاز والعطاء والاستقرار على مبادئ القضاء وقدرتنا على تمثلها فى كل لحظة، تمنيت بدلا من الأقوال المرسلة التى طرحت فى هذه الأزمة وتطوع بها البعض وشكك فى قدرات القاضيات وعطائهن، أن يمنح لنفسه الفرصة أن يتصل بالعلم اليقينى وهو ما أسهله فجميع الزميلات اللاتى تم تعيينهن فى القضاء العادى حصلن على أعلى تقييم من التفتيش الفنى اثتنان بينهن تترأسان محاكم معها وعضوا اليمين واليسار من الذكور، وفى إطار عملى فى المحكمة الدستورية نحن دائرة واحدة مشكلة من 17 قاضيا ورئيسا جميعنا نتداول فى جميع القضايا التى تعرض على المحكمة الدستورية ويصدر الحكم فيما بيننا بالتصويت، ثم يخضع الحكم للصياغة من المستشار المقرر للحكم يخضع إلى مراجعة من كل القضاة وبالتالى جميعنا مساهمون فى ضبط الحكم قبل أن يصدر واستطيع القول إنه لا يوجد حكم صادر من المحكمة الدستورية لم أكن طرفاً فيه. { لكن هناك من وسط قضاة مجلس الدولة من ردد أن المستشارة تهانى الجبالى لم تكتب حكما؟ }} هذا أحزننى كثيرا لأن من ضمن ما يحزننى أن يتخلى أى منا عن حيدة القاضى ونزاهة القضاء، وألا يفعل العلم اليقينى ويطلق أقوالا مرسلة يكذبها الواقع وما كان أسهل الوصول إلى الحقيقة لأن أحكام المحكمة الدستورية العليا تحديدا تنشر جميعها فى الجريدة الرسمية، وأعتقد أن الجريدة الرسمية ملك لأى مواطن فهى على موقع الكترونى يمكن لمن يدعى غير الحقيقة أن يطلع عليها سيجد حتما عنوان الحقيقة لأنه على الأقل 75% من الأحكام عليها توقيعى واسمى خلال الـ 7 سنوات الماضية، وهنا دعنى أتساءل هل هناك غياب عن آلية عمل المحكمة الدستورية لدى بعض الزملاء القضاة فى مجلس الدولة. { ما تعليقك فيما يتردد حول أن استطلاعا أجراه قضاة فى مجلس الدولة جاءت نتائجه أن 60% من الرجال يرفضون المثول أمام القاضيات؟ }} هذا الكلام قول مرسل لا يستند إلى دليل ويكذبه الواقع، لأنه خلال الـ 7 سنوات الماضية على تعيين المرأة قاضًيا لم نشهد فى المحاكم المصرية شكوى من محام أو مواطن يعترض فيها على وجود قاضية على منصة المحكمة، بالعكس الجميع تعاملوا بما يليق بمقام الشعب المصرى والحقيقة أحزن كثيرا عندما يرددون هذا الكلام، لأننى أعرف الشعب المصرى جيدا وتعاملت مع كثير من فئاته على أرض الواقع و أنا ابنة القرى والنجوع وليست العاصمة وأعلم جيدا أن الجينات الحضارية لدى المواطن البسيط تدفعه إلى فرز النساء والرجال بوعى شديد وأنه يحيط بأى سيدة فى أى موقع بكل تقدير والاحترام ويقبل منها كل الأدوار بما فيها الأدوار القيادية، إذا ما اطمان إلى استقامة مسلكها وأدائها ووعيها وقدرتها على أداء دورها وهذا لم يتوقف على المواطن فى وجه بحرى بل يمتد إلى صعيد مصر، ودعنى هنا أسأل هؤلاء: هل قرأتم عن قيمة «الكبيرة» حين تصل إلى مرحلة النضج وتبدأ فى أن تكون هى عمود العائلة الذى لا يستطيع أحد أن يمارس دورا مهما دون أن يستشيرها خاصة فى أوضاع الأرض والزواج وهى قرارات مصيرية فى الأسرة، وأنا من عائلة نصفها فى الصعيد والنصف الآخر فى وجه بحري، ورأيت بأم عينى عماتى وهن يمارسن دورا فى التحكيم فى قضايا الثأر فى بعض الأحيان، وأعتقد أننا نظلم الشعب المصرى كثيرا حين نحمله عبء هذه الثقافات الرديئة التى أطلقت عليهم وشكلت طبقة من الغبار وهذا ظلم بين لطبيعة الشعب المصرى الذى يقدر دور المرأة بحجم ما يحيطه بمصداقية. وأذكر فى هذا المقام أنه فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى فى المنصورة كانت أول محامية هى الأستاذة فريدة حسان هذه الأستاذة أطلق نصف أبناء المنصورة اسمها على بناتهم تقديرا لدورها المهنى والإنسانى والاجتماعى وريادتها للعمل الاجتماعي، وأول مدرسة ثانوية تأسست هناك أطلق عليها اسم مدرسة فريدة حسان، أليس هذا هو الشعب المصري؟! وهناك بلا شك اختراق ثقافى للمجتمع المصرى أدى إلى تراجع قيمى فى أمور كثيرة، وهذا ليس الأصل، بل استثناء وافد، وعلينا أن نرد الشخصية المصرية لحالتها الطبيعية، وأنا اعتبر ذلك حدث فى زمن أسود اخترقت فيه الثقافة المصرية والوسطية المصرية دفعت المواطن المصرى إلى المعاناة من الارتباك الثقافي، رغم أن هذا المواطن بحاجة إلى النخبة لإخراجه من هذا التخلف الثقافى الذى فرض عليه. { أليس ما حدث فى عمومية مجلس الدولة ورفضها لقرار تعيين المرأة قاضياً يعد نوعاً من التراجع؟ }} هذا ما أزعجنى جدا وأنا استمعت إلى كثير من الآراء والأفكار التى تحلل هذه الظاهرة وما حدث، ورغم قناعة الجميع أن مجلس الدولة المصرى منذ أن ولد وهو عملاق وسيظل لأنه السند الأول للشرعية والدستورية وبالتالى فإنه قضاء مشروعية، وحين يشعر البعض بالقلق نتيجة إفصاح فرسان المشروعية عن موقف تميزى ضد المرأة فى إطار تعيينها فى المجلس، هذا يجب أن يفكر فيه أصحابه ألف مرة، ولا استطيع أن أنكر أن هناك شرخا أصاب المرأة المصرية وأصاب أوساط المثقفين والمجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية التى عبّرت خلال بيانات سياسية وهى أول مرة فى التاريخ ـ عن غضبها مما حدث، مما طرح السؤال القديم حول كيفية التكوين القانونى والثقافى للقاضى المصرى وأعتقد أن هذا الجدل قد يفتح الباب أمام مناقشة مجتمعية حول إعادة ترتيب أوضاع العدالة والقضاء على أسس ثقافية تحمينا من إمكانية أن يصبح الأصل فى الأمر أننا أسرى للثقافات ترجع بنا للوراء. { هل تستشعرين أن هناك شيئاً خفياً فى الأزمة ولم يطرح علناً؟ }} أنا لا استطيع أن أقول إن هناك شيئاً خفياً، بقدر قولى إن هناك علامات استفهام كبري، وسألت نفسى لماذا وفى هذه اللحظة تحديدا تحركت الجمعية العمومية لمجلس الدولة من أجل رأي؟ فى حين أن قرار المجلس الخاص صادر منذ عام 2009 ترتب عليه فتح الباب لدفعتين 2008،2009 أمام الخريجات للتعيين فى مجلس الدولة، وتقدمن شبات نابهات من أوائل كليات الحقوق بناء على الإعلان لشغل الوظيفة وخضع للجان اختبار وتم اختبار مجموعة من بينهن واقتربن من لحظات النهاية للتعيين، وأعتقد أن قرار عمومية مجلس الدولة كانت قاسية على قلب مصر، لأنها جاءت مواكبة للحظات مناقشة مصر تقريرها عن حقوق الإنسان وحالة المرأة فى الأمم المتحدة، ويتحول وجه مصر إلى الوراء، وأنا أتعجب لماذا يحاط مجلس الدولة بمثل هذه الأمور خاصة أن المجلس جزء من السلطة القضائية التى استقرت فى هيئتين بهما القاضيات على المنصة ولم يعد القرار محل مواءمات، بمعنى هل يملك مجلس الدولة ملاءمة خاصة به على مستوى شأن مشترك فى سلطة القضاء المصري، هذه علامات استفهام كبري. { أليس هذا القرار يثير حالة استغراب وتناقضاً أيضا داخل المجتمع الذى استقر وفق حول كوتة المرأة فى البرلمان؟ }} أنا أعتقد أننا مازلنا أسرى ثقافة ذكورية تعتقد أن حقوق المرأة هى الحائط الأدنى فى المجتمع والتى يمكن فيها وفى أى لحظة العودة إلى نقطة الصفر ونناقش الأمر كأن شيئا لم يكن، وهو ما يثير قضية أكبر فى المجتمع المصري، وعن قضية افتقاد التراكم الايجابى فى أى قضية سواء أكان ذلك على المستوى السياسى أو الثقافى أو الاجتماعى وجميعا نشعر أن هناك حالة تعمد لإسقاط هذا التراكم وتلك المراحل ويعتبر شيوع الرأى أن جميع المراحل كانت سلبية وأنه صاحب الرأى الصحيح وللأسف لا يحاول أن يستقى منها عمق التجربة للشعب المصري، وأن هناك تراكما ايجابيا فى كل مرحلة يجب أن نتمسك به ونبنى عليه، وأنا من جيل عاش فكرة التراكم الايجابى للمراحل التاريخية، وهنا أقصد جيل ثورة 23 يوليو 1952 الذى يؤمن بفكرة التطور الاجتماعى النهضوى وفكرة المشروع الوطنى المصري، هذا التراكم ينهار بضربات متلاحقة وحين شعر جيلنا بقيمة المشروع الوطنى وانتمى إليه فكان ذلك عبر تراكمات تاريخية ترسخت مع ثورة 23 يوليو 1952. { هناك مقولة للسنهورى تربط عمل المرأة بالقضاء بمساواتها بالرجل بما فى ذلك الخدمة العسكرية ما تعليقك وأين أنت من هذه المقولة؟ }} أنا كما قلت مع مشاركة المرأة الرجل فى القوات المسلحة وبلا شك الدكتور عبدالرازق السنهورى كان يطلق هذا الكلام فى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضى وقد جرت مياه كثيرة منذ طرح السنهورى تستدعى منا أن نمارس مسئولياتا تجاه واقعنا على أسس واقعية حقيقية، نحن لا نتحدث عن المرأة التى خلف الحجاب أو المشربيات أو التى ستخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها ومن ثم إلى القبر، هذا الواقع كان يواجهه قاسم أمين والسنهورى وكانوا يتحسبون أن التغيير الاجتماعى يجب أن يؤخذ على مهل، لأن فى نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة للمرأة المصرية حصلت على أرفع الشهادات العلمية وتبوأت كل المناصب بما فيها السفارة والوزارة، اليوم عمر اشتغال المرأة المصرية فى القانون يقترب من المائة عام منذ الأستاذة نعيمة الأيوبى التى قيدت كأول امرأة فى جداول نقابة المحامين، ولمن لا يعرف أن أستاذة نعيمة الأيوبى أول قضية ترافعت فيها كانت قضية اعتقال ثلاثة من قيادات الحركة الوطنية فى مصر «أسدها» فتحى رضوان والأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، ونقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ حافظ محمود، وقد أفسح لها المحامون لتصبح أول محامية تترافع فى القضية، وقضاء مصر أثبت ترحيبه بحضور أول محامية فى القضاء الواقف أثناء الجلسة، ودعنى أتساءل مجددا هل مصر الآن أقل على مستوى الاستنارة مما كنا عليه فى بداية العشرينيات؟ تلك هى قضية التراكم الثقافى واعتبر أن هناك خللا ما حدث للتراكم الثقافى المصرى والذى يمكن أن يستند إليه أى من الدعاة للنهضة فى مواجهة مأزق لا ينكره أحد. { ما توقعاتك تجاه الأزمة الكاشفة؟ }} أتوقع أن مجلس الدولة بذاته هو الذى سيتصدى لمسئولياته التاريخية تجاه تصحيح هذا الخطأ فى حق المرأة المصرية، ولا أتصور أن مجلس الدولة يرغب فى رجوعنا إلى الخلف لأنه سند للتقدم بموقعه فى سلطة القضاء وفى تاريخه الذى كان فى كل المراحل عنصرا من عناصر تكريس المبادئ القانونية والدستورية، ومحاولة بناء الوطن على أسس من النهضة الحديثة. { هل الأمر سيتوقف عند مجلس الدولة أم ربما يكون ذلك مدعاة إلى الانتقال إلى هيئات قضائية أخري؟ }} أنا لا أتصور أن أحداً يمكن له أن يعود بنا للوراء وأن عمق الترصد بالمرأة فى أى منحى من مناحى الحياة يمكن أن يعود بنا للخلف، لأن التقدم هو سُنة الحياة، ومهما كان حجم الظلام الثقافى الذى يخيم علينا فى بعض المناحي، فأعتقد أن قدرتنا على الخروج منها ستمنحنا الأمل فى المستقبل، وهذه الأزمة منحتنا قضية فى غاية الأهمية لابد أن نضعها فى أولويات الحوار الوطنى وهو تثبيت دور المؤسسات على أسس الدستور والقانون، ولا نقبل بالتراجع لأنه إذا اهترأت سلطة الدولة أو سمح لهيئاتها أن تنتهك الأطر التنظيمية للدولة فى إطار الدستور والقانون فالبديل هو الفوضي، وأعتقد أنه لم يحدث فى مصر من قبل أن أصبحت رهينة لهذه الفوضي.