كثيرا ما تراودنى فكرة السفر أو الهجرة بمعنى أدق مثل كثير من أفراد أسرتى وأصدقائى حيث فضاء أرحب وحياة كريمة وحرية وفرص أفضل فى التمتع بالإنسانية والكرامة والخصوصية التى لا يوجد لها مكان فى بلادنا.. ولكن ما يمنعنى هو اعتقادى بقدرتى على الفعل.. مازال على أن أفعل شيئا. إنها القدرة على الفعل. فكلما ناقشنى أحدهم فى الفكرة أرد بقولى انه مازالت لدى قدرة على الفعل وحينما أعجز عن ذلك سأرحل.. حينما أشعر انه لم يعد لدى ما افعله.. سأحزم حقائبى وأرحل لأبعد بلاد فى العالم وقد أعددت خططى البديلة بالفعل.. ولكنى سأبقى لأنه مازالت لدى القدرة على الفعل. أثناء رحلتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفى لقاء مع بعض الأصدقاء فى ولاية مونتانا فى أقصى شمال البلاد.. وهى لمن لا يعرفها أكبر الولايات من حيث المساحة وأقلها من حيث تعداد السكان. لا ترى إلا مساحات شاسعة من الأرض والصحراء وعدد قليل جدا من البشر.. دعيت إلى احد الاجتماعات العامة بإحدى المدن فى الولاية أقامه عمدة المدينة على شرف تواجدى باعتبارى حدثا لا يتكرر كثيرا فى الولاية.. فأنا القادمة من قارة إفريقيا وبلاد الشمس ومن قلب إحدى أكثر مدن العالم ازدحاما.. سمعتهم يتحدثون باهتمام بالغ عن الانتخابات المحلية.. وكيف أنها بالنسبة لهم أهم من الانتخابات الرئاسية حتى ولو كانت انتخابات لاختيار ممثل المقاطعة أو عمدة لمدينة صغيرة لا يتعدى تعداد سكانها شارعا واحدا فى شبرا. وحضرت عددا من اجتماعات الكونجرس المحلى (مجلس المدينة) وأذهلنى كيف يتناقشون بجدية بالغة وبكثير من الاهتمام بشأن رصف أحد الشوارع أو الوضع الخاطئ لأحد المقاهى أو ضرورة توفير حافلة إضافية تربط بين إحدى الضواحى وقلب المدينة.. ووقتها أدركت لماذا هذا الاهتمام المبالغ فيه بالنسبة لى بانتخابات صغيرة يتنافس فيها بضع عشرات من الأشخاص ولا تتعدى سلطاتهم وقراراتهم ما ذكرته. تلك القرارات الصغيرة البسيطة هى ما يمس حياتهم بصورة يومية ولذلك فهى أكثر أهمية من اختيار رئيس البلاد بالنسبة لهم. ولذلك فلا عجب أن تجد فى كل مدينة شارعا رئيسيا باسم (ديموكراسى لاين) أو شارع الديمقراطية. ربما لا يعنى أحد بنتائج تلك الانتخابات سوى أهل تلك المدينة فى الولاية الكبيرة وقطعا لن يهتم أحد فى واشنطن بوضع مقهى أو بطريق مرور حافلة فى ولاية تبعد آلاف الأميال. إن الذى يجعل تلك الانتخابات البسيطة التى ربما لا تؤثر على السياسات العامة فى أمريكا مهمة وحاسمة للمشاركين فيها هى أنها تمس حياتهم اليومية كما أنهم من خلالها يشاركون فى تحقيق التغيير الذى يرغبون فيه والذى يحول حياتهم للأفضل.. إنها قدرتهم على تحقيق التغيير.. إنها القدرة على الفعل. ربما تكون الانتخابات الرئاسية فى مصر هى الأهم على الإطلاق، ربما تكون عودة البرادعى هى الأمل لمصر أفضل وربما وجود عمرو موسى أو نور أو حتى وصول جمال مبارك أو بقاء مبارك رئيسا لمصر كلها خيارات مهمة وحاسمة ومصيرية فى تاريخ مصر ولكن أيضا مراحل الاختيار السابقة لذلك لا تقل أهمية عنها. اختيار أعضاء مجلس الشعب والمجالس المحلية هى أيضا مراحل مهمة وحاسمة على المستويات المحلية.. المستويات التى تمس حياتنا بشكل يومي.. وعلينا ألا نترك فرصة إلا وحاولنا انتزاع قدرتنا على الفعل من خلال المشاركة حتى لو بلغ بنا اليأس اليقين بأن لا شيء سيتغير.. فعندها سنكون أيضا امتلكنا القدرة على الفعل. لنتذكر انه قبل أن نشكو من ضياع الحقوق وغياب العدل والفرصة المتساوية فى بلادنا، علينا أن نثبت لأنفسنا على الأقل أننا لم نقصر فى المطالبة بالحق.. الذى لا يضيع طالما وراءه مطالب كما علمونا منذ الصغر بينما نسوا أن يعلمونا كيف نطالب به. وقبل أن نطالب بالتغييرات الجذرية وقلب البلد رأسا على عقب ونطالب الآخرين الذين ربما أكثر قوة أو قدرة على الفعل أن يغيروا بينما ننتظر نحن كمن لا حول ولا قوة لهم أن يقوم آخرون بالتغيير.. أن يقوموا بالفعل نيابة عنا.. فنحولهم هم أيضا إلى ما حاولنا تغييره فى البداية. علينا أولا أن نمرن عضلاتنا الضامرة لممارسة الحقوق وتحقيق الفعل من البداية.. قدرتنا على الفعل تبدأ من صوتنا، القدرة على الفعل تبدأ من الحرص على أن يكون لى صوت وحرصى على حمايته وإثباته وإيصاله.. الحرص على أن يسمع.. أن يصل إلى أذنى من يجب أن يسمعه.. مهما حاول البعض أن يمنع وصوله. صوتك قوة لا تستهن بها فيستهان بك.. ثق فى صوتك.. ثق فى قدرتك على الفعل.. خلى عندك قدرة.. خلى عندك صوت.