12-07-2010     11206

 


 

عندما رسمت جيهان السادات وقفت فى المنطقة الفاصلة


سيد هويدى


 
جيهان السادات.. على طريق الملكة فريدة

لم أستطع إخفاء دهشتى عندما تلقيت خبر افتتاح معرض يجمع لوحات سيدة مصر الأولى سابقا جيهان السادات، لكنى سعدت بتأكيد الكاتب الصحفى عبدالله السناوي، على ضرورة تناول المعرض على صفحات جريدة العربي، ودفعى إلى معرفة أبعاد التجربة الفنية للسيدة التى شغلت المجتمع والأوساط السياسية والثقافية على مدار العقود الماضية بتعدد مجالات اهتماماتها. 
صحيح أن التجربة بسيطة، لكنها تكشف عن جانب أخفته السيدة جيهان السادات سنين طويلة، إلى أن استطاعت "نبيلة عقل" مدير العلاقات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، انتزاع موافقة من جيهان السادات بعرض لوحاتها التى وصلت إلى 50 لوحة، بقاعة مارجو فيلون، وكانت عقل قد توصلت إلى هذا الاتفاق أثناء إعداد كتاب عنها، ذلك الكشف الذى جاء مصادفة، أقنعت بعدها "نبيلة" السيدة الأولى بضرورة العرض، وبالفعل انتخبت اللوحات الخمسين من ضمن عشرات اللوحات. 
وكانت قاعة مارجو فيلون قد شهدت افتتاح المعرض، ووقائع توقيع كتاب جيهان السادات، وتقول نبيلة عقل إن جيهان السادات الطفلة مارست الرسم وتعلمته، وظلت فى شوق تنتظر لحظة لقاء الألوان، إلى أن بدأت فى الرسم من العام 1986، وإن ظلت ترسم فى العواصم التى تتردد عليها باستمرار.  
وهو ما يفسر أن الريف الذى رسمته جيهان السادات اختلط فى لوحاتها، ما بين مناظر الريف المصري، ومناظر الريف فى العالم كله، خاصة وأنها اعتمدت على الذاكرة البصرية لديها، وليس نقلا حرا حرفيا احترافيا من المنظر الطبيعي، من قرية ميت أبوالكوم التى حرصت أن تسجل جانبا من حياة أهلها، فظهر تناولها وكأنه قرية كونية تتجاوز حدود الجغرافيا، التى حاول زوجها الرئيس السادات رسم حدودها مرة بالدم ومرة أخرى بالسلام.  
صورت جيهان السادات الناس فى لوحاتها على نحو صغير، لصالح أن يكون المكان هو البطل، فيما تغنت باللون وإن كانت قد منحت عناصر الطبيعة مسحة من الضياء تتجاوز ألوانها على أرض المحروسة، وفى مفارقة غاية فى الغرابة، تخلت عن إشباع البيوت باللون، فيما ظهرت مظاهر الطبيعة مشبعة باللون، ربما لأنها اعتمدت على الذاكرة البصرية، التى يتشابه فيها الأشجار، لكن بيوت ومساجد الريف المصرى لها من الخصوصية من الصعب أن نجدها فى مكان آخر فى العالم، بنفس ملامحها، فى الوقت الذى حافظت فيه على المنظور والنسب، فقد ظهرت البيوت المتسامحة مع التاريخ والجغرافيا أيضا، تحمل ملامح بسيطة تقترب قليلا عن شكل المعمار القروي، ذلك المعمار الذى طالما ألهم المعمارى والمهندس العالمى حسن فتحى نظريته عمارة الفقراء.  
وعلى الرغم من أن اغلب لوحات المعرض قد بيعت، إلا أن جيهان السادات وقفت فى المنطقة الفاصلة، بين قواعد العمل الأكاديمى الصارم بمهاراته فى التلوين الاحترافي، والعمل الفطرى الخالص الذى يتسم بخروج المكنون النفسي، فالعمل الفنى الفطرى يعكس معرفة قليلة بثقافة وقواعد الفن ومعاييره، حيث لا يلتزم الفنان الفطرى عندما يصوغ عمله الفنى بتركيب رياضى محسوب ثابت سواء للشكل أو للمضمون إنما تراه وقد حقق التلقائية المباشرة السهلة والحيوية والمتدفقة والتعبير المؤثر والفعال، وكلها صفات للأصالة الفنية المطلوبة لأى عمل فنى حتى إن الفنون المعاصرة الآن قد رفضت الحساب الدقيق المبنى على القواعد والنظريات الأكاديمية المعروفة بل ولجأت إلى مثل هذه الفنون، لصالح التعبير الحر المباشر. 
والفن الفطرى مقدر عالميا فى شخص الفنان العالمى هنرى روسو، أما محليا فالفنانة شلبية إبراهيم، تميزت أعمالها بصفاء نادر، وهى التى لم تتلق أى تعاليم أكاديمية، رغم أن زوجها نذير نبعه فنان سورى درس فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، لكنه رعى تجربة زوجته الفطرية، بينما الفنان الفطرى صلاح حسونة، عرفه الجمهور الألمانى أكثر من الناس فى مصر، ويشترك معه فى نفس المنحى ابن المنيا حسن الشرق الذى كان يرسم على ورق اللحمة، أثناء عمله جزارا، قبل أن يتفرغ للفن ويذيع صيته. 
ولأن السيدة الأولى سابقا أتيح لها السفر ومشاهدة المتاحف العالمية، والوجود داخل دوائر ثقافية، محتكة، ومشاركة، ومشاهدة، فقد اختلط لديها هذا المزيج بين المشاهدة، والقدرة على التعبير عنها، وتلتقى فى ذلك مع الكثير من المشاهير الذين اقتربوا من الفن التشكيلي، سواء محليا كالملكة فريدة، وعالميا أنطونى كوين. 
يبقى أن عالم الإبداع يرحب بكل التجارب الإنسانية الخلاقة، طالما توفر لها الصدق، والاستمرار، وسحر الفن، والتأثير فى البشر. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 1.66
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من