12-07-2010     11206

 


 

دولة أم عصابة؟


د. حسن حنفي


 

مازالت أصداء قتل المبحوح أحد قياديى حماس تدوى فى العالم كله فى الغرب والشرق والوطن العربى والعالم الإسلامي. ومازالت آثارها ونتائجها تتوالى يوما بعد يوم. وتظهر الدلائل المتراكمة أنها من فعل الموساد الإسرائيلى بموافقة رئيس الجهاز "الشين بيت" ومباركة رئيس الوزراء اليمينى المتطرف. ولا حرج فى إسرائيل. بل تعتبر العملية نموذجا للتخطيط والتنفيذ والنجاح فى إسرائيل وحتى عند بعض العرب. 
وهى واقعة تزيد من تشديد الحصار حول إسرائيل منذ العدوان على غزة، وتقرير جولد ستون، والاستمرار فى تشييد المستوطنات، وهدم المنازل العربية بالقدس القديمة، وطرد سكانها إلى الشارع، وتهويد القدس والحرم الإبراهيمى ومسجد بلال بن رباح بالخليل.  
والسؤال هو: هل إسرائيل دولة قانون أم عصابة وقاطع طريق؟ يفخر الغرب أن دوله تقوم على القانون. وأنه حارب الكنيسة والملكية والإقطاع من أجل سيادة القانون الذى يتساوى أمامه الجميع، الراهب والمدني، الحاكم والمحكوم، الإقطاعى والفلاح. والدستور الذى يتساوى فيه الجميع فى الحقوق والواجبات. كما يزهو بأنه هو حضارة حقوق الإنسان التى أعلنت مرتين عنها. الأولى فى الإعلان العالمى عن حقوق الإنسان والمواطن مع الثورة الفرنسية حتى أصبح من مواثيقها. والثانية بعد الحرب العالمية الثانية ومذبحة أربعين مليونا من الأوروبيين بأيدى بعضهم البعض. وننقد أنفسنا بأننا دولة الشخص، دولة الرئيس الواحد مدى الحياة، دون تداول للسلطة، ودون تصديق القوانين من مؤسسات الدولة. وإن فعلت فتبريرا وموافقة من مؤسسات هو صانعها وواضعها لإضفاء الشرعية عليها.  
وإسرائيل تحقيق للأيدلوجية الصهيونية التى نشأت فى الغرب فى القرن التاسع عشر بنفس الواقع الرومانسي، العودة إلى الجذور، والروح القومية كبديل عن الإمبراطوريات النمساوية والمجرية، وبنقاء الجنس واللغة وأحيانا الدين، البروتستانتية أو اليهودية. نشأت إسرائيل فى حضن الاستعمار البريطانى لفلسطين بعد تفتيت دولة الخلافة ثم بتدعيم القوة الأمريكية ومساعدتها على الاستمرار فى الاستيطان والسيطرة والعدوان. ثم تواطأ للغرب كله من أجل خلق الدولة والدفاع عنها تبرئة للذمة وإحساسا بالذنب مما حدث لليهود من مذابح على يد النازية فى الحرب العالمية الثانية. قامت بحركات الاستيطان الأولى منذ أوائل القرن التاسع عشر بسماحة الدولة العثمانية وتحت رعايتها وحسن معاملتها لأهل الكتاب كما تقتضى بذلك الشريعة الإسلامية، وكما حدث إبان التاريخ الإسلامى منذ الأمويين والعباسيين حتى دولة بنى عثمان. ثم اتسع نطاق الاستيطان الأول استضافة وسماحة من الإسلام حتى أصبح كالخلايا السرطانية. فقامت ثورة عز الدين القسام عام 1936 للتنبيه على الخطر وإيقاف الاستيلاء على الأراضى الفلسطينية. ثم سلمت بريطانيا نصف فلسطين عام 1948 بعد هزيمة الجيوش العربية. واستولت على النصف الثانى فى هزيمة 1967 ومازالت تحتل كل فلسطين حتى الآن باستثناء قطاع غزة الذى حافظ على استقلاله وهجرة الفلسطينيين إليه مذكرا بفلسطين المحتلة وبطرد شعبها وتحويله إلى سكان مخيمات فى الدول العربية المجاورة. 
فالدولة فى نشأتها غير شرعية. نشأت على أراضى الغير بدعاوى تاريخية ودينية فى الظاهر واستعمارية استيطانية فى الحقيقة ضمن حركة الاستيلاء على ولايات الدولة العثمانية من انجلترا وفرنسا"فلا غرابة ألا تلتزم بقانون ولا تراعى شريعة أو دستور، دينى أو علماني، موسوى أو مدني. ولا غرابة أن يصدق رئيس الوزراء الإسرائيلى على عملية الموساد الأخيرة بقتل المبحوح. فإذا كان قيام الدولة نفسه غير شرعى فلا حرج من أن يكون سلوكها وأفعالها غير شرعى كذلك. فالكل يجب الجزء. ولا فرق بين أن يتم ذلك على أرضها ضد العرب فى إسرائيل أو على أرض فلسطين فى الضفة والقطاع أو على أرض غيرها فى الأردن بمحاولة قتل خالد مشعل رئيس حركة حماس أو فى دبى بقتل المبحوح. فكل شيء مستباح لها. لها وحدها حق الحياة وللآخرين الغزو والعدوان والموت والاغتيال. رئيس وزرائها قاطع طريق. لا يلتزم بقانون أو دستور. ورئيس مخابراتها قاتل. والصمت فى إسرائيل، من اليمين ومن اليسار على حد سواء. واحتجاجات الأوروبيين مازالت رسمية ودبلوماسية وخافتة ضد الطفل المدلل. وتستخدم جوازات سفر أوروبية مزورة من عدة دول أروبية: فرنسا، وانجلترا، وألمانيا واستراليا وغيرها دون اعتراف بسيادة هذه الدول. فإسرائيل وحدها لها حق البقاء دون غيرها من الدول والشعوب. وهو أحد أسباب الهولوكست عندما فضل اليهود أنهم يهود قبل أن يكونوا ألمانا. فضجت بهم القومية الألمانية عندما صعدت النازية إلى الحكم. ومازال الخطر قائما طالما لا تعترف الصهيونية إلا بذاتها فى حق الوجود دون غيرها.  
والاغتيال ليس ضد فرد، المبحوح، بل ضد خيار المقاومة حتى يقضى عليه تماما. ولا يبقى إلا محور الاعتدال أى خيار المفاوضات التى لا تنتهى بلا مرجعية بدعوى عدم فرض شروط مسبقة. استيطان وقتل وهدم للمنازل بالفعل، وحديث عن السلام والمفاوضات والدولتين بالقول. ابتلاع لما تبقى من أرض فلسطين فى الواقع وحديث عن السلام أمام العالم. استيطان بلا حدود أو توقف، ومفاوضات ومحادثات لا تنتهي. تهويد للقدس وللخليل وهدم للمنازل وطرد لشعب فلسطين خارج أرضه، وتوسيع للشوارع وإقامة للحدائق وزرع للحداثة فى الظاهر. لم يقتل أحد من ممثلى محور الاعتدال. بل تتعاظم الروايات عن تعاون فلسطينيين فى عملية الاغتيال. فهل مازال خيار السلام كخيار استراتيجى قائما وهم لا يعترفون بوجودنا أصلا وحقنا فى الحياة. 
وكل هذا العدد، ما يفوق ستة وعشرين قاتلا، لاغتيال واحد؟ هل هذا من الشجاعة والمواجهة أم من الجبن والخوف؟ لا ريب أن واحدا من المقاومة بعشرين من الصهاينة. مع أن القرآن اكتفى بواحد إلى عشرة (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا)، (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين). وأحيانا يكتفى بواحد لاثنين (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين). 
وبالرغم مما يقال عن ضعف العرب وتخاذلهم وخوفهم أمام العدو الذى لا يقهر، الدولة الكبرى فى المنطقة، إلا أن شجاعة شرطة دبى أثبتت العكس، أنه يمكن الغضب للكرامة العربية واستباحة الأوطان. بل والوصول إلى درجة طلب القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلى ورئيسى جهاز مخابراته بدلا من استقبالهم فى دولة عربية أخرى فى منتجعات سياحية للتفاوض حول السلام. كيف يمكن للعرب استثمار اغتيال المبحوح لنصرة قضيتهم العادلة، وتعرية الكيان الصهيونى أكثر فأكثر بالإضافة إلى تقرير جولد ستون؟ كيف تتحول شجاعة شرطة دبى إلى غضب للكرامة العربية وانتفاضة للوجود العربي؟ لن يساعد أحد العرب مهما كان معهم بالأقوال والنوايا الحسنة والتعاطف إن لم يساعد العرب أنفسهم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). مازال محور الاعتدال يراهن على خيار السلام الذى أسقطه العدو الإسرائيلى من حسابه. ولا يراهن إلا على تصفية المقاومة. فمن يراهن على خيار التاريخ. تصفية المقاومة أم تصفية العدوان (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة)؟ 
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من