12-07-2010     11206

 


 

صرخات المستشار طارق البشري


هشام الحمامي


 

المستشار طارق البشرى أحد أهم وأكبر عقولنا الفكرية فى عصرنا الحالي.. ولا ريب فى ذلك فهو سليل بيت من أعرق البيوت المصرية وأكثرها نجابة ودينا وخلقا وعلما. هذا الرجل العظيم كتب مقالة مؤخراً.. بعنوان «محاولة لفهم الواقع والحاضر». تواضعا من المستشار الجليل.. أما العنوان الأقرب لوصف المقال الذى كتب بحبر القلب كما يقولون فهو «وثيقة لوصف الواقع والحاضر» وثيقة مرعبة ومروعة.. ذكرت حقائق ثقيلة الوطأة على القلب والضمير شديدة الوقع على العقل والشعور..؟ من منا لم يقرأها ويشعر بالنار تسرى فى عروقه..؟ من منا لم يقرأها ويشعر بالأسى والعار يحطان على هامته؟ من منا لم يقرأها وهو يسكب دموع المرارة السخينة؟ المستشار البشرى رجل قضاء وهو يكتب مسودة ما يكتبه بالقلم الرصاص لحاجته المتكررة لتغيير كلمة قد لا تتطابق مع المعنى الذى يقصده تطابقاً كاملاً.. المستشار البشرى مؤرخ يمتلك الأدوات الكاملة الدقة للمؤرخ الموضوعى الخالى من أى ذاتية وكتاباته المؤرخة لمصر الحديثة من عهد محمد على حتى ثورة يوليو مرجع شديد التوثيق لهذه الفترة التاريخية. 
المستشار البشرى لا يمارس السياسة وقليلاً ما نراه فى المشاهد السياسية التى اعتدناها مؤخراً أن تكون كل هذه الصفات السابقة هى صفات الرجل الذى كتب هذا المقال.. فهو ما يجعلنا نشعر بالرعب الأسود الذى ما بعده رعب والخطر الداهم الذى ما بعده خطر. بعد قراءتى المقال مرات ومرات رأيت أن أقتطع منه أكثر المواضع إيلاماً وإنذاراً وترتيبها فى نقاط.. لتظل قابعة فى ذاكرة وعينا لعلنا ننتبه ولعلنا نفيق. وهاكم هى دون زيادة أو نقصان: 
إذا أردنا أن نقارن بين الوضع السياسى لمصر فى بدايات القرن العشرين وبينه فى بدايات هذا القرن الواحد والعشرين نلاحظ ثمة متشابهات وثمة فروقاً وأهم المتشابهات أن مصر فى كلا الزمنين تعتبر بلداً محتلاً لأن إرادته السياسية لا تصدر عما يراه صالحاً وطنياً له ولا تنضبط بالمصالح العليا التى يتعين على أية دولة أن ترعاها لشعبها. 
المطلوب إزاحة مصر تماماً وإخراجها من المنطقة وهذه الإزاحة الأكثر حسما وفاعلية تكون بتهديم مصر دولة ونظاما وشعبا وخبرات وثروات وإمكانات. 
المطلوب من الهيمنة الأمريكية على مصر لا أن تصير مصر كياناً يخدم الصالح الأمريكى وأن تعارض مع صالح المصريين ولكن المطلوب هو القضاء عليها بوصفها قوة سياسية أو إمكانات سياسية ذات فاعلية وأنا أريد أن أكرر هذا المعنى مرات ومرات ليصير التكرار بديلاً عن الصراخ وللفت النظر إلى هذا الخطر الداهم والذى صرنا فى جوفه. 
أصبحت الدولة كلها بغير وظائف تؤدى إلى حفظ الأمن الذى صيغ شعاره السياسى بعنوان «دولة الاستقرار» والذى تهاوت كل الأنشطة الاجتماعية والسياسية للدولة فى ظله وصار تفكك جهاز إدارة الدولة هو الضمان الأساسى لبقاء السلطة الفردية القائمة واستمرارها. 
تفكيك الجهاز الإدارى هو ما به يدمر الوضع فى مصر لكن يبقى النظام القائم بناسه وأشخاصه بعيداً عن التحدى ومخاطر التغيير.. يكفيهم جهاز شرطة يسهر على إفساد أية محاولة للمجتمع الأهلى لبناء أنظمة بديلة ترعى شئون الجماعات المختلفة وتدير أمورها اليومية ثم يتولى التفكيك التلقائى إفناء قدرات الدولة المصرية وإفناء مصر ويتحقق بذلك الهدف الداخلى من حفظ الأوضاع والاستقرار الأمنى ويتحقق الهدف الأمريكي. 
نحن لا نواجه حاكماً مستبداً فرداً فقط ولا نواجه ذلك باعتباره الخطر الوحيد ومصدر الضرر الأول إنما نحن نواجه هيمنة أمريكية تستخدم هذا الوضع وتسانده لإزهاق الروح المصرية وإفناء التواجد المصري. 
إن كل ما عانيناه من سياسات سلبية فى العقد الأخير، لم يكن محض خطأ من مقرريه ومنفذيه ولا كان محض إنقاذ لمصالح فئات طبقية مصرية محدودة ومستقلة عن المشروع الأمريكى ولكنه كان خضوعاً لإملاءات الخارج على الإرادة الرسمية. 
أى صالح مصرى عام أو خاص لأية جماعة مصرية فى توقف خطط التوسع فى استصلاح الأراضي، سواء فى جنوب مصر بمشروع توشكى أو شمال غرب سيناء بعد أن تحققت مشاريع توفير المياه لهذه المشروعات ومساحتها الإجمالية تدور حول المليون فدان؟ 
أى صالح مصرى فى تحطيم القدر الغالب من مصانع القطاع العام وتقويض ما كان نجح بمصر من مشروعات صناعة على مدى القرن العشرين وكان يمكن الإفساح للقطاع الخاص فى التوسع التنموى بالإضافة إلى الموجود بدلاً من تفكيكه؟ 
أى صالح لأى من فئات الشعب المصرى فى تقويض الخبرات الصناعية والحرفية والمهنية فى مجالات الإنتاج بما عرف بنظام «المعاش المبكر» بإخراج هذه الكفاءات وحرمان المجتمع من عملها ومن قدرتها على تعليم الأجيال التالية وإفقار مصر بذلك من ثروة بشرية يعز تعويضها على مدى قصير من السنين؟ 
أى صالح فى تفكيك أواصر إدارة الدولة المصرية فى مجالات الخدمات والأنشطة الاجتماعية وتفكيك أواصر الاقتصاد المصرى وجهاز إدارة الدولة واستغرق بناؤه لدينا ما يقرب من قرنين. 
كل ذلك يجرى على سنوات تتلوها سنوات ويتحقق به هدف واحد وهو صدع القدرة المصرية وتكسير عظام المجتمع المصرى بما لا يرجى منه شفاء إلا بعد سنوات طويلة. 
أى تعديل لهياكل نظام الحكم القائم لن يتأتى من داخل الأبنية السياسية للدولة المصرية إلا بضغط أمريكى يفوق المعتاد. 
من يملكون قوة الأمر الواقع الآن هما: القائمون على النظام الحالي، والولايات المتحدة الأمريكية. 
انتهى كلام المستشار طارق البشري.. وهو كلام به من الخطورة ما لا يمكن معه أن يمر هكذا.. وخطورة هذا الكلام لا تأتى فقط من قائله القاضى الجليل والمؤرخ الأمين وأحد أصدق وأوثق الأصوات فى واقعنا الحاضر. إنما تأتى أيضاً من متنه ومادته ومحتواه.. وهو ما يجعلنى أطلب تشكيل لجنة من الشخصيات الوطنية المشهود لها بالنزاهة والإخلاص لدراسة محتوى هذا المقال الوثيقة والخروج منه بحقيقة نهائية. 
يخبروننا معها ماذا نفعل إزاء ذلك. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من