كدقات المسرح الثلاث التى تسبق عروضه أو دقات "القدر التى تبدأ بها سيمفونية بيتهوفن الشهيرة التى تحمل ذات الاسم توالت الأحداث واحدة أثر أخرى فى أسبوع واحد كأنها تومئ معا لى شئ غامض جديد يوشك أن يعلن عن نفسه فى صيف المنطقة الحارقة.. تحركت الأحداث من مواقع مختلفة وإيقاعات متضاربة ورسائل متناقضة من باريس إلى لاهاى والخرطوم إلى بيروت فى المشهد الأول بباريس تصدر الرئيس مبارك مع الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى منصة رئاسة المؤتمر السياسى لـ"الاتحاد من أجل المتوسط".. غير أن أجندة المؤتمر وأهدافه. منصوص عليها فى وثيقته., تكشف حقيقة الدور المصرى الأقرب إلى ضرورات الإخراج والإيحاء بأن المتوسط والدول العربية الأكبر فيه شركى رئيسى فى الرئاسة والقرار. الفكرة الأولية عند أصحاب مبادرة المتوسط منع الهجرة غير الشرعية من الجنوب إلى الشمال، وهذا هاجس رئيسى عند ساركوزى، ومطلب يلح عليه اليمين الفرنسى بصفة عامة، وترتكز على أن قدراً من التعاون الاقتصادى بين شمال المتوسط وجنوبه، وإحداث قدر من التطور فى التنمية المستدامة فى الدول المصدرة للهجرة غير الشرعية، قد يساعد على التخلص من صداع هؤلاء المهاجرين، ولكن المشروع كله جرت صياغته بصورة تتجاوز هذه الفكرة الأولية إلى إعادة إحياء «صيغة برشلونة»، التى اقترنت فى منتصف التسعينيات بمشروعات الشرق الأوسط الجديد فى أعقاب توقيع اتفاقية «أوسلو»، أو التطبيع الاستراتيجى والاقتصادى بين العرب وإسرائيل، أو دمج الأخيرة فى مركز تفاعلات المنطقة، دون أن تكون ملزمة -هذه المرة- بدفع أية استحقاقات سياسية بانسحابات من الأراضى العربية المحتلة أو إحراز أى تقدم على مسارات التفاوض. ويقترن بهذا التطور الجديد فى الصيغة المستحدثة للاتحاد من أجل المتوسط ما تطلق عليه وثيقته الرئيسية «الالتزام بمكافحة الإرهاب»، دون أن تُعرف ما تقصده بالإرهاب، وما إذا كان إرهاب الدولة فى إسرائيل من ضمن ما يتعين مكافحته، أو أن المعنى ينصرف -بالضرورة- إلى جماعات المقاومة العربية للاحتلالات فى المنطقة. اللافت فى الصيغة الجديدة أنها تتجاوز التعريف الجغرافى لضفاف المتوسط، وتدخل فى عضويتها دولاً عربية من الخليج، ودولاً من الاتحاد الأوروبى لا تقع على المتوسط من أصله، كأن المقصود -من ناحية عملية- الشرق الأوسط الجديد بطبعة جديدة أكثر جاذبية وبشراكة أوروبية وأمريكية فيه خضوعاً لمقتضيات استراتيجياتها. و.. هذا هو صلب القصة، ومقدمات زوابعها. باريس نفسها لم تعد كما كانت على عهود أسلاف ساركوزى، فهو قد أعلن منذ صعوده إلى قصر الإليزيه اتجاهه لبناء تحالف استراتيجى راسخ مع السياسة الأمريكية والعودة إلى الجناح العسكرى لحلف «الناتو»، وتأييده الكامل للسياسات الإسرائيلية، وما يحدث -بالضبط- هو تقاسم وظيفى فرنسى أمريكى فى شئون المنطقة، أو أن تستعيد الأولى بعض نفوذها التقليدى فى المشرق العربى بالذات تحت الأفق الاستراتيجى الأمريكى. ويدخل التطور الجديد - بأهدافه وحقائقه- فى لعبة إعادة ترتيب المنطقة بأدوات جديدة، من نتائجها تهميش مصر فى محيطها، بينما رئيسها يتصدر منصة الرئاسة ويطلق نصائحه «الحكيمة» من فوقها!. والمتوقع أن تحصد «صيغة المتوسط» ذات الفشل الذى لحق بـ«صيغة برشلونة»، فأهدافها تناقض مصالح المنطقة، وتحابى إسرائيل، وتناهض المقاومة فيها، ثم لا تعرض شيئاً جديداً يعيد بعض الحقوق المشروعة إلى أصحابها - لعبة من طرف واحد.. ولصالح ذات الطرف، غير أن بعض الكلام، ولا اختلاف عليه، عن التعاون التكنولوجى والعلمى وتطوير الطرق الملاحية، أو عن أوجه التفاعل الحضارى التقليدى بين شطآن المتوسط الشمالية والجنوبية، قد يغوى ويضل البصر عن زوابع توشك أن تطلق غبارها بالمنطقة فى صيف حارق. و.. فى المشهد الثانى تعلن الزوابع عن نفسها وأهدافها بصورة أوضح وأخطر وأفدح، فقد أصدر المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية فى «لاهاي» لويس أوكامبو «مذكرة توقيف» بحق الرئيس السودانى عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب فى دارفور وإبادات جماعية. القرار -فى ذاته- لا سابق له، وزوابعه مربكة، فالمبدأ القانونى الإنسانى أن أحداً لا يصح أن يفلت بجريمته، غير أن هناك ما يؤكد ويثبت غلبة «السياسي» على «القانوني»، أو أن دفع الملف إلى المحكمة الدولية، التى رفضت الأغلبية الساحقة من الدول العربية التوقيع على ميثاقها، وهذا خطأ كبير لم يمكنها من دخول جمعيتها العمومية أو التأثير على الجو العام فيها، كان هدفه الوصول إلى هذه النقطة، أو وضع رقبة رأس النظام السودانى تحت مقصلة الملاحقة بهدف زعزعة النظام وإجباره على تنازلات جديدة فى ترتيب الأوضاع السودانية من ضمن عملية الترتيب الأوسع للمنطقة، وبما يحاصر مصر -الدولة العربية الأكبر والأهم- عند منابع شريان الحياة فيها. من المثير للالتفات - والوقائع معلنة وصورها حاضرة- أن للوبى الموالى لإسرائيل فى الولايات المتحدة دورا فى تصعيد أزمة دارفور، فقد انطلقت الحملة من متحف «الهولوكوست» فى نيويورك، ولا يمكن وصف أصحابها بأنهم من أصحاب الضمائر الإنسانية الحية التى ترفض التنكيل بالبشر، فهم يدافعون عن أبشع الجرائم بحق الإنسانية فى فلسطين، ويسوغون جرائم الحرب التى ترتكبها إسرائيل بحسبانها دفاعاً شرعياً عن الذات. من الناحيتين السياسية والأخلاقية فإنه يتعين إدانة أية جرائم بحق الإنسانية، وكشف القناع فى ذات الوقت عن الذين يستخدمونها لأغراض أقل ما توصف به أنها لا تمت للإنسانية بصلة. والمشكلة فى الزوابع القادمة من «لاهاي» إلى صيف السودان الحارق أنه يترتب عليها وضع «العدالة» فى مواجهة «السلام»، و«السودان» فى مواجهة «العالم»، و«الديمقراطية» فى مواجهة «الفوضي»، فزعزعة السلطة العليا، وملاحقة الرئيس نفسه بصفة شخصية، يضع البلد الممزق والمنهك على حافة انهيارات جديدة قد تغرى بعض الأطراف الداخلية فيه بمزيد من الاستقواء بالخارج، وتغرى الأطراف المواجهة بمزيد من الاستبداد والعنف، أو أن يبدو البلد كله مرهوناً لحسابات «كراسى الحكم» وأمنها الشخصى، وهذا تطور سلبى يشكك فى أهداف الملاحقة وأسبابها الحقيقية. ولا يصح أن تتحول القضية إلى «البشير» و«أوكامبو»، فالأخير قد تحكمه نزعة إنسانية فى ملاحقة من يعتقد أو يظن أنه متورط فى جرائم ضد الإنسانية، ولكن العدالة لا تصنعها الظنون، فقد استند على شهادات الطرف الآخر فى الصراع، ووقائع رصدتها منظمات حقوقية، ولم يحقق بنفسه فيها وفق الأصول القضائية. ومن المؤكد أن هناك جرائم قد ارتكبت فى مجرى الصراع على دارفور، غير أنها يصعب أن تدمغ -حسب تقارير وشهادات المنظمة العربية لحقوق الإنسان- بأنها إبادات جماعية، لا يصح أن يقف أحد ضد العدالة بشرط عدم توظيف «القانوني» لما هو «سياسي»، وألا يحدث تمييز يعفى «القوي» من الحساب ويخضع «الضعيف» لأقصى عقوبة، ولاعتبارات سياسية فى الحالتين!. وبحسب معلومات موثوقة فإن غرفة المحكمة التى تنظر فى هذه الآونة مذكرة أوكامبو قبل التصديق عليها وإرسالها إلى مجلس الأمن، باعتباره الجهة التنفيذية فى مثل هذه القرارات الخطيرة، أخذت تستطلع آراء قانونية فى هذا الملف من شخصيات عربية مرموقة لها أدوارها فى المحاكم الدولية، والمعنى -هنا- إدراك القضاة الذين يتعين عليهم البت فى الملف لتعقيداته السياسية، ولما قد يترتب عليه من نتائج فى المنطقة العربية والتفاعلات فيها، وأنها بحاجة لرؤى واجتهادات من المنطقة تدرك - إضافة إلى القانون الدولى والتفقه فيه- حقائق السياسة الطاغية على الملف كله. فى هذا المشهد -وزوابعه تنذر بأخطار كبيرة على السودان- تبدو القاهرة مفاجئة بما جرى، ونصائحها تسبقها إلى الخرطوم، أو إلى قاعات الجامعة العربية، ولكنها لا تدرك أن الدبلوماسيات النشطة لا تصنعها النصائح، خاصة إذا كانت الزوابع كاسحة بمقدماتها ومدمرة بنتائجها الوخيمة على مصر عند شريان الحياة فيها. و.. المشهد الثالث تختلف صوره، وتتناقض رسائله، فنحن -هذه المرة- أمام انتصار جديد للمقاومة اللبنانية وسيدها حسن نصر الله، واستعادة للأسرى اللبنانيين، وعميدهم سمير القنطار بطل عملية جمال عبدالناصر، وتذكر لبطولات ذات طابع أسطورى لرفات أصحابها، وعلى رأسهم دلال المغربى. وهذا كله استثنائى وفريد فى أوقات عربية بلغ التدهور فيها مداه، ولكنه لا يصح أن نغفل عن الأسباب التى دعت للتعجيل بإنهاء الملف على هذا النحو وفى هذا التوقيت. وهناك ما ينبئ عن تصورات جديدة من وراء الميل الغربى الواضح للتهدئة فى الملف اللبنانى، مصحوباً بمحاولات حثيثة لتحييد حزب الله إلى أقصى درجة ممكنة فى أى صدام محتمل بين إيران والولايات المتحدة،، ومحاولات أخرى، أكثر أهمية وخطورة، للتهدئة فى الملف السورى بإحداث قدر من الاختراق فى مفاوضات اسطنبول، والقصد عزل طهران عن أوثق حلفائها، وقد يرجح ذلك الحرب عليها - على ما تشير أغلب التوقعات. والمعنى أن ما قد يبدو منفصلاً هو متداخل إلى أبعد الحدود فى لعبة سياسية جديدة. و.. هنا قد تفترق الطرق، فإما أن تتجه الولايات المتحدة إلى نوع من «الصفقات الكبري» فى المنطقة تحتوى إيران وتنهى أزمة ملفها النووى، وتتقاسم معها النفوذ فى العراق، وتمضى «الاتفاقية الأمنية» إلى التوقيع عليها بأدنى درجة من الممانعة الإقليمية، ضامنة السيطرة على النفط فيه.. وترتيب الأوضاع فى المشرق العربى يدخل ضمن «الصفقة الكبري» والتمهيد لها، وهناك مؤشرات بدأت تتكشف عن إمكانية عودة العلاقات الدبلوماسية الإيرانية الأمريكية، وتبدو مصر ـ هنا ـ مشغولة بفيلم «إعدام الفرعون» وافتعال الأزمات مع إيران!.. غير أن هناك اتجاهاً مضاداً قد تندفع إليه الأحداث مصحوبة بزوابعها ونيرانها، بأن يكون القصد من التهدئة على بعض الجبهات الحليفة لإيران الاستفراد بها، أو أن يكون التضامن معها فى أضيق الحدود، التى ليس من بينها الوسائل العسكرية.. والأمثولة السودانية -فى هذا التوقيت بالذات- هدفه الردع، أو أن تكون كدقات القدر منذرة بما هو أخطر وأكثر رعباً.