04-01-2009     1139

 


 

.. الانتصار الثالث لـ«حزب الله»


د. رفعت سيد أحمد


 

عندما صافح السيد حسن نصر الله سمير القنطار والأسرى الأربعة الآخرين، والذين بادروا بتقبيل جبهته وعمامته، كان صوت المذياع يعيد قولته الشهيرة: «لقد وعدتكم بالنصر دائمًا واليوم أعدكم بالنصر مجددًا». إن ما جرى مساء الأربعاء الماضى 16/7/2008 وفى الأيام الأولى للذكرى الثانية لحرب تموز/ يوليو 2008، مثل نصرًا ثالثًا مجددًا لحزب الله على إسرائيل، وأمريكا وحلفائهما بالمنطقة «وبخاصة النظام المصرى والسعودى والأردني»، وذلك لأنه تحقق من خلاله ما عجزت هذه الدول عن تحقيقه عبر مسارات الدبلوماسية والتفاوض المستمرة منذ 15 عامًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية مصرية وأردنية وبأموال سعودية، لقد كشفت وقدمت عملية الرضوان، نسبة إلى الشهيد عماد مغنية الذى كان يكنى ويشتهر داخل حزب الله باسم الحاج رضوان، العديد من الدلالات المهمة التى تحتاج إلى رصد وتحليل: 
أول الدلالات: أن حزب الله استطاع أن يجبر إسرائيل على التفاوض وهى التى شنت حرب الـ 34 يوما عام 2006 تحت عنوان عريض اسمه تحرير الجنديين الأسيرين بدون تفاوض أو قيد أو شرط فأجبرها الحزب ومقاومته على الرضوخ لشروطه التى أطلقها الأمين العام سماحة السيد حسن نصر الله فى نفس يوم أسر الجنديين «12/7/2006» أنهما لن يعودا إلا فى مقابل تحرير الأسرى اللبنانيين وهو ما تم بل وبزيادة حيث تم تحرير رفات 199 شهيدًا لبنانيا وفلسطينيا وعربيا من بينهم رفات شهداء عملية المناضلة دلال المغربى، فضلاً عن الأسرى الخمسة سمير القنطار ورفاقه، وفى هذا دلالة أن بالمقاومة وحدها يتحقق النصر ويجبر العدو على التسليم بشروط مجاهديها إذا ما كانوا صادقين، وكان نصر الله ورجاله كذلك. 
ثانى الدلالات: أثبتت عملية الرضوان، القدرة التفاوضية العالية لدى حزب الله وفريقه المفاوض بقيادة «الحاج محمد صفا»، وعدم إمكانية اختراق جهاز معلوماته، حيث فوجئ العدو والعالم بأن الجنديين قد ماتا وأنهما ليسا أحياء، وكانت المفاجأة فى اللحظة الأخيرة، ولو علم بهذه الحقيقة العدو لكان قد تمسك بعدم الإفراج عن سمير القنطار ولكان قد غالى فى شروطه بل ربما كان قد أفشل الصفقة التى عملت الوساطة الألمانية عليها لأكثر من عامين، لقد كان حزب الله فى قمة الذكاء التفاوضى «وليست مثل بعض دبلوماسيى دولنا وحركاتنا السياسية للأسف!!»، واستطاع بالصبر والحكمة والكتمان أن يحقق ما عجزت دول كبيرة عن تحقيقه إلا بأثمان باهظة من أمنها وسيادتها وكرامتها!! 
ثالث الدلالات: تأكد لدينا ومن متابعة دقيقة لملف الأسرى اللبنانيين وللإعلام الإسرائيلى أن القيادة الإسرائيلية كانت هى الأكثر عجلة فى إبرام هذه الصفقة والتى وصفها لاحقًا رئيس الوزراء بأن يوم تنفيذها هو «يوم الذل فى إسرائيل»، كانت العجلة الإسرائيلية لتنفيذها ليس بسبب الصراعات الداخلية أو قرب التغيير الوزارى ولكن السبب - كما أشار وعن صدق سيد المقاومة السيد حسن نصر الله - أن إسرائيل كانت تخشى أن تقوم المقاومة اللبنانية بعملية خطف جديدة لجنود وضباط إسرائيليين لإجبار إسرائيل على تحرير سمير القنطار ورفاقه مما يضعها فى موقف صعب تجبر فيه على الرد وهى غير مستعدة بعد هزيمتها المُرة فى لبنان على أن تخوض حربًا جديدة ضد حزب الله الذى توعدها - من خلال زعيمه نصر الله - بأنها ستكون حربًا مختلفة يمتلك فيها الحزب أسلحة ستغير وجه المنطقة ومصير إسرائيل ذاتها. هذه الخشية هى التى دفعت إسرائيل إلى التعجيل بالصفقة والموافقة الجماعية عليها وهو الأمر الذى لم يحدث فى تاريخ إسرائيل كله، إنها مرة أخرى لغة القوة التى لا تفهم ولا تحترم إسرائيل سواها!! 
رابع الدلالات: كان مشهد الإفراج عن الأسرى بقيادة عميد الأسرى العرب/ سمير القنطار «الدرزى الطائفة» ورفات الشهداء من كل المذاهب والأيديولوجيات، وفى استقبالهم كل القوى اللبنانية من اليمين إلى اليسار ومن الإسلامى إلى القومى، رسالة واضحة لدعاة الفتنة المذهبية وافتعال المعارك الصغيرة مثلهم «انظر المعركة الخائبة حول فيلم السادات والدائرة فى مصر هذه الأيام» أن الأمة منقسمة إلى فريقين وإلى خندقين وخيارين الأول وهو الأكثر شعبية ومنطقية وتماشيا مع طبيعة المنطقة وتاريخ هذه الأمة وإسلامها: خيار المقاومة والثانى هو خيار الخيانة والتبعية. الأول هو الذى جمع اللبنانيين اليوم فى مطار بيروت وأجبر حتى من كانوا يصافحون كونداليزا رايس وجورج بوش بالأمس على تنكيس الرءوس والاعتراف علنًا بصوابية خيار المقاومة وبعدم مذهبيتها وبأنها الوسيلة الوحيدة والأنجح لتجميع الأمة، أما الخيار الثانى فهو الذى فرق اللبنانيين ومزقهم كما هو الحال فى أغلب البلاد التى ابتليت به وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية، والتى لم تكن مصادفة أن أنظمتها كانت الأكثر حزنًا واكتئابًا لما جرى فى لبنان، لأنه يرسل لشعوب المنطقة رسائل عدة شديدة الوضوح فى مقدمتها أن لعبة الصراع المذهبى والزحف الشيعى الوهمى التى يروجون لها عبر إعلامهم المدُجن أو السمسار، فشلت وباءت بهزيمة جديدة مرة على أيدى «حزب الله» المتواضع والسمح فى عمله والوحدوى فى إنجازه. 
إن عملية الرضوان، تدخل لبنان والمنطقة مرحلة جديدة فى تعاملها مع العدو الصهيونى، مرحلة تفرض فيها قواعد جديدة للتعامل مع الكيان الصهيونى، أهمها أن تحرير الأرض أو الأسرى أو أى قضية أخرى لن يتحقق إلا عبر المقاومة، وأن حماية الأوطان ليست بالكلام والحيل الدبلوماسية أو عبر شراء الذمم بصفقات السلاح والنفط بل بالمقاومة والوحدة الوطنية الحقيقية وهو المشهد الذى جسدته لبنان الدولة والشعب حين احتضنوا سمير القنطار ورفاقه الأحياء والشهداء وهو مشهد لن ينسى عبر الزمن. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.83
تصويتات: 30


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من