"لم أعد إلا لكى أعود إلى فلسطين"، يؤكد من أصبح رمزا للمقاومة والصمود. مابين الصورتين 30 عاما إلا أشهر. هو هو.. ونفس العدو. ذات روح المقاومة وان اختلف شعارها.. من (عملية القائد جمال عبد الناصر) إلى (عملية الوعد الصادق) ثم (عملية الرضوان).. الهدف المباشر واحد.. أسر عناصر من العدو لمبادلتهم بأسرى المقاومة. لكن الجسد النحيل أصبح ممتلئاً.. والرؤية أكثر نضجاً.. وثباتاً. نبيل أحمد قاسم، اسمه الحركى. "أسره" ملك الأردن حسين فى 31 يناير 1978 ليجهض محاولته فى التسلل لفلسطين واختطاف اتوبيس به "50" إسرائيليا يبادل بهم رفاقه فى الأسر، ليظل ثمانية أشهر- وهو لم يكمل السادسة عشرة- تحت تعذيب بشع استشهد فيه أحد رفاقه. أفرج عنه بضغوط جبهة التحرير الفلسطينية التى انضم اليها وعمره 13 عاماً، وبعد أشهر أسره الصهاينة جريحا يوم 22أبريل 1979. الذى أصبح فيما بعد يوما للأسير العربى، وهو عميدا لأسرانا. ولد سمير القنطار عام1962 لأسرة درزية بقرية عبيه. لم يكمل تعليمه.. ورغم يسر حال أسرته انشغل منذ طفولته بـ «القضية». خالد خداج، أمين سر المجلس الوطنى فى الحزب الشيوعى اليوم، كان صديقاً مقرباً لسمير، يشبّهه - للأخبار اللبنانية- بـ«الحصان البرى الجامح». يلوم نفسه لأنه لم يصدقه حين جاء يودعه عام 1979، وأخبره يومها أنه «أنهى تدريباته وأصبح ملازماً أولَ بقوات الداخل فى جبهة التحرير الفلسطينية». ودّعه بحرارة وغادر، ثم سمع بعد ذلك بعملية (القائد جمال عبد الناصر) التى أسر خلالها، فوبخ نفسه لأنه عدّ كلامه «تفشيخ شباب». يتحدّث خداج عن الجو اليسارى والقومى العربى الذى نشأ فيه سمير واعتنق توجهاته. ويتذكر فهيم حمزة صديق طفولته ورفيق السلاح لاحقاً.. "كلّما صعد إلى سيارتى، طلب تشغيل الشريط الذى يتلو فيه مظفر النواب أبياته الشهيرة عن «الكؤوس التى تطرق ليلاً نخب القدس عروس عروبتنا»، «ليتساءل بعدها «من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟». كان يفتخر بجراح عمليتين سابقتين. تستعيد أمه، السيدة سهام (71) عاما، مشهد حجرته.. على دولاب ملابسه صورة له كتب عليها "الشهيد سمير القنطار". فرغم صغره كان يفاجئها بالحديث عن رموز مثل سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسى والشهيد كمال جنبلاط.. و(عبدالناصر). مع "الأسر الأردني" علمت أسرته بحقيقة نشاطه.. وبعد الإفراج ضغطت عليه للسفر مع أبيه إلى الخليج.. جاراهم وبدأ الإجراءات.. لكن جواز سفره وصل منزله بعد اسبوع من عملية (القائد جمال عبدالناصر). رغم مرور ثلاثة عقود عليها تظل عملية (القائد جمال عبدالناصر) نوعية فى أسلوبها وفى توقيتها، يشدد سمير فى احدى رسائله لأمه على أنها "جاءت ردا على نهج كامب ديفيد". فمع مغيب شمس22أبريل 1979 تحرك مع ثلاثة من رفاقه: عبد المجيد أصلان ومهنا المؤيد وأحمد الأبرص. وكان سمير-17 عاما- قائدا للعملية برتبة ملازم فى جبهة التحرير الفلسطينية، نقطة الانطلاق: شاطئ صور بزورق مطاطى (زودياك) مُعدل لزيادة سرعته. الهدف: مستوطنة نهاريا واختطاف رهائن لمبادلتهم بمقاومين أسرى. بدأت العملية الثانية فجراً واستمرت حتى شروق الشمس. اخترقت المجموعة حواجز الأسطول السادس الأمريكى، ونجحت فى إخفاء زورقها عن دوريات بحرية العدو وراداره وحرس شواطئه حتى وصلت الى شاطئ نهاريا حيث أكبر حامية صهيونية.. والكلية الحربية ومقر الشرطة وخفر مدفعية السواحل وشبكة الإنذار البحرى ومقر الزوارق العسكرية (شيربورغ). اقتحمت المجموعة بناية عالية بشارع جابوتنسكى بعدها انقسمت الى فريقين، اشتبكوا بداية مع دورية للشرطة أثناء محاولتهم دخول منزل (أمنون سيلاع) على الشاطئ، ثم مع دورية ثانية فقُتل الرقيب (إلياهو شاهار) من مستوطنة معلوت. ونجحوا فى أسر عالم الذرة (دانى هاران) واقتادوه الى الشاطئ.. حيث دارت المعركة الرئيسية، حاولوا الاقتراب من الزورق فاستشهد أحدهم وأصيب آخر بجراح بالغة، وأصيب سمير بخمس رصاصات، ومع استدعاء العدو قوات أكثر دارت اشتباكات عنيفة إثر احتماء سمير بالصخور، ونجاحه فى إصابة قائد قطاع الساحل والجبهة الداخلية الشمالية الجنرال (يوسف تساحور) بثلاث رصاصات فى صدره ونجى بإعجوبة. الطريف أنهم أخفوا إصابة الجنرال وحينما ادلى بشهادته للمحكمة، 28 يناير 1980، تم إخلاء القاعة من الناس والمحامين، ثم عاد الجنرال ليعترف بعد عشر سنوات بأنه "لن ينسى طيلة حياته وجه المخرب الذى اصابه بثلاث رصاصات فى صدره". الحصيلة النهائية للعملية 6 قتلى منهم عالم الذرة دانى هاران و12 جريحا. استشهد عبد المجيد اصلان ومهنا المؤيد واعتقل القنطار والابرص. وفى 1984 سعى رفاقهما إلى إطلاق سراحه باحتجاز السفينة الايطالية "اكيلو لاورو" وعلى متنها امريكيون واسرائيليون، وهى العملية التى انتهت باختطاف المارينز لطائرة مصرية كانت تنقل مُختطفى السفينة إلى تونس، لكن الأبرص أطلق سراحه فى مايو 1985 فى تبادل للأسرى مع الجبهة الشعبية.. وكان فى استقبال رفيق نضاله الأسبوع الماضى بمطار بيروت. عند أسره.. كان القنطار ينزف بشدة وأنهالوا على جسده النحيل ببنادقهم وأرجلهم. فى المستشفى نسى الأطباء أبسط قواعد مهنتهم.. أعملوا مشارطهم بدون تخدير مستخرجين أربع رصاصات، تاركين الخامسة فى صدره بحجة خطورة استخراجها على حياته. وحينما طلب فيما بعد إحضار طبيب على نفقة اسرته لاستخراجها رفضوا قائلين: ستظل تذكرك بعقوبة من يلوث أيديه بدماء الإسرائيلين. وحشية الأطباء هينة مقارنة بما تحمله من تعذيب آت.. صمد، كان يصرخ فى وجوههم: سأحاربكم من زنزانتى. طلب إكمال دراسته.. رفضوا، فدخل فى سلسلة احتجاجات وإضرابات.. انتهت بخضوع الصهاينة مشترطين ان يدرس بالعبرية، أكمل تعليمه الثانوى ثم حصل على ليسانس فى علوم الاتصال والعلوم السياسية بدرجة امتياز.. ثم ماجستير علوم سياسية عن "الديمقراطية"، وكان يخطط للدكتوراه.. لو طال أسره. يتذكره الإعلام الصهيونى دائما بتعبيرات حاقدة، أهونها "قاتل عائلة هاران".. يقصدون عالم الذرة الشهير وابنته، وقبل محاكمته حاولوا تعديل قانون يحظر الإعدام، وحينما فشلوا قضوا بسجنه 547 عاما. رفضت حكومات الاحتلال المتعاقبة إطلاقه رغم اضطرارها للإفراج عن رفيقه فى عملية (عبد الناصر) أحمد الأبرص، لكنها خضعت لحزب الله وأدرجت اسمه ضمن قائمة المفرج عنهم 2003.. وجاء شارون ليحذف اسمه مفجراً الصفقة كلها.. لكنها تمت عام 2004 مع تهديد من حزب الله بأنهم سيندمون على حذف اسمه. رفض شارون، حينها، لا يبدو متناقضا مع عرضين للإفراج عنه.. شريطة أن يعتذر علنا لعائلات القتلى، رد القنطار."مهما كبرت المعاناة لن تأسروا إرادتى ولا تصميمى على هزيمتكم من داخل زنزانتي".."لن أقبل حرية متوجة بالعار.. لن تخرج من فمى كلمة ندم واحدة". وهم لا ينسون له ذلك، الأربعاء الماضى ومع عودة القنطار إلى بيروت يهدده عبر هاأرتس، الخميس، مسئول إسرائيلى بأن "أجهزة المخابرات الإسرائيلية لن يهدأ لها بال حتى يتم اغتياله"، وقبلها بيوم ينصحه المحلل العسكرى لـ (يديعوت أحرونوت) رون بن يشاى بـ «اسأل رفاقك عن مصير قتلة مدنيين إسرائيليين ويهود بعد سنوات بدا فيها أنه تم نسيان أعمالهم».. و«ماذا حصل، مثلاً، لقتلة الرياضيين فى ميونيخ ومراسليهم، الذين أعاد آخرهم روحه للبارى فى ظروف غير طبيعية بعد 24 عاماً بعد المذبحة المروعة؟ تعلّم من الماضى واستخلص العبر». لكنه استخلص العبر مُنطلقاً من خندقه هو، فمع 30 عاما فى الأسر ترسخت قناعات القنطار ذى الميول الشيوعية/ القومية أكثر. كتب لأخته (لميس) عن "الانعزاليين الجبناء".. ثم لجريدة السفير عن "ثورة دوبريانسكي/ 14 آذار التى واكبتها جمعية روح أمريكا وستنهيها مصالح جمعية دفن الموتى من مقرها الدائم فى البيت الأبيض". ولوليد جنبلاط، الدرزى مثله، "محذراً من انقلابه على ثوابت والده الشهيد كمال جنبلاط". وحينما طلب وليد إلقاء كلمة فى حفل استقباله مُحرراً اشترط القنطار "التعبير عن احترامه للمقاومة.. وعدم الهجوم على سوريا الشقيقة"، وامتثل وليد. 30 عاماً، قراءات منوعة وتجربة عريضة يعترف معها "كنت لا أطيق من يخالفنى الرأى، سياسياً، من الأسرى، واليوم أنا أكثر انفتاحاً وأصغى إلى الآخرين". تجربة عريضة لم يلهها الأسر عن أخبار ومشاهد الهمجية الإسرائيلية بحق أطفال وشعب فلسطين، فقط تسقط دموعه -يؤكد للسفير- كلما شاهد أما فلسطينية استشهد ابنها، تقول إنها مستعدة للتضحية ببقية أبنائها. 30 عاماً أسيراً حلمه خلالها "أن أسير تحت السماء دون أن تفصلنى عنها قضبان الحديد. أتمشى على الشاطئ وأطلق العنان لنظرى دون أن تصده الجدران. أنام ليلاً دون أن أسمع نباح كلاب الحراسة. أفتح عينى صباحاً دون أن أجد السجان يحصى الأسري". لعله الآن يتمشى على الشاطئ.. بدون جدران ولا كلاب حراسة. يستمتع بحضن أمه (سهام)، زوجة ابيه، وبدعوات أمه بـ"التبنى القومي".. الفلسطينية هندومة وشاح (ام جبر)، 72 عاما. لكنه مازال فى نفس الخندق. جبهة التحرير الفلسطينية، اُنتخب وهو أسير عضوا بلجنتها المركزية، تنتظر حضوره أول اجتماع لها. وهو بالتأكيد سيقف مع قوائم المعارضة فى الانتخابات القادمة.. منسقاً مع حزب الله. وبالتأكيد فى الخندق المقاوم للمشروع الغربى. فالرصاصة الخامسة فى صدره وتهديدات اغتياله تذكره بأن الصراع.. صراع وجود لا حدود.