04-01-2009     1139

 


 

فى ندوة ما بعد المراجعات


غريب الدماطي


 
عناصر «الجهاد» و«الإسلامية» فى مواجهة المجهول

انتقد سياسيون وخبراء فى شئون الجماعات الإسلامية تجاهل المؤسسات الحكومية المصرية لمبادرة وقف العنف التى أطلقتها الجماعات المتشددة وعدم اتخاذها خطوات من شأنها توفير مناخ يضمن انخراط عناصر تلك الجماعات والمفرج عنهم فى المجتمع سياسيا واجتماعيا. 
ودعا هؤلاء إلى تأسيس هيئة قومية تهدف إلى إعادة تأهيل عناصر الجماعات فى المجتمع، وكذلك تحويل ملف الحركات الإسلامية من ملف تديره أجهزة الأمن إلى ملف تتولاه المؤسسات السياسية بالدولة. 
وقال نقيب الصحفيين المصريين مكرم محمد أحمد أمام ندوة «ما بعد المراجعات الفكرية للتنظيمات المتطرفة فى مصر.. التداعيات المستقبلية وأسلوب الاحتواء» التى نظمها المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية إنه منذ إعلان الجماعة الإسلامية فى مصر عن مبادرتها لوقف العنف، وكذلك مبادرة جماعة الجهاد الإسلامى، وهما الجماعتان الأكثر تنظيمًا واستخدامًا للعنف، لم تشهد مصر أحداث عنف باستثناء حادثين صغيرين قامت بهما تنظيمات عشوائية صغيرة تعتمد على العلاقة العدائية لدول الجوار مستخدمة فى ذلك الشبكة الدولية «الإنترنت» فى أعمالها. 
وألمح نقيب الصحفيين إلى وقوف تنظيم القاعدة خلف أعمال العنف التى شهدتها سيناء، مستندا فى ذلك إلى اختراق القاعدة لـ «الأردن» وبعض التنظيمات فى فلسطين، لافتا إلى احتمال تكرار مثل تلك الأحداث فى سيناء، خاصة فى ظل مساعى «القاعدة» لتقويض الاستقرار فى مصر. 
ودعا نقيب الصحفيين إلى دمج هذه الجماعات فى المجتمع وإعادة التوازن فى البنية السياسية، بتوسيع قاعدة الأحزاب وكسر سطوة الحزب الواحد والاهتمام بالإصلاح الاجتماعى، وفض ازدواجية ربط الثروة بالسلطة، وضرورة إجراء حوار وطنى مع جماعة الإخوان المسلمين بما يمكنها من تأسيس حزب مدنى يرفض سطوة المرشد العام ويقبل بالأمة كمصدر لكل السلطات. 
فيما قال القيادى البارز بجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عبدالحميد الغزالى إن المراجعات تشكل خطوة إيجابية جادة من قبل الجماعات الإسلامية، كان يجب أن تقابل من قبل الحكم بخطوة أكثر إيجابية لتوفير مناخ للأجيال القادمة من شأنه الاستمرار فى نبذ العنف والاندماج فى الشأن العام، غير أن الواقع شهد ردة دستورية، فضلا عن الارتداد فى المناخ الاجتماعى، حيث تضاعفت معدلات الفقر وهو ما ينعكس سلبيا على المجتمع ويؤدى إلى خطر تفريغ جماعات أخرى ترفض الاندماج فى المجتمع. 
وأكد ضياء رشوان ـ الخبير بشئون الجماعات الإسلامية والجهاد ـ أن مبادرة وقف العنف والمراجعات تعد نقلة نوعية فى مسيرة الجماعة الإسلامية والجهاد، تمهيدًا للانتقال من الغلو إلى الوسطية، واستبعد عودة الجماعتين إلى العنف رغم ما يتعرض له عناصرها المفرج عنهم من عزلة مجتمعية، كما استبعد أن تكون بعض التنظيمات العشوائية التى تظهر فى مصر بين الحين والآخر لها علاقة بتنظيم القاعدة، مشيرا إلى أن أحداث العنف فى سيناء قد يكون لها ارتباطات أخرى. 
وانتقد «رشوان» المخاوف الأمنية التى وصفها بالمبالغ فيها وعدم دمج المفرج عنهم سياسيا واجتماعيا، لافتًا إلى أن ذلك قد يجعل المفرج عنهم والذين وافقوا على المبادرات عرضة لمزايدة المتشددين. 
ومن جانبه قال اللواء نشأت الهلالى ـ مساعد أول وزير الداخلية الأسبق: إن المراجعات تتصف بالصدق وأنها صدرت عن اقتناع كامل، بعدما اعترفت الجماعات الإسلامية بخطئها وأرادت تصحيح تلك الأخطاء، ودعا إلى ضرورة استمرار إحكام القبضة الأمنية لتجفيف ما سماه بمنابع العنف والإرهاب. وبشأن المفرج عنهم قال الهلالى لابد من انخراطهم فى المجتمع ويتحمل رجال الأعمال جزءًا من ذلك، خاصة العاملين فى المجال السياحى من خلال إقامة مشروعات يوجه عائدها لعناصر الجماعتين. 
وانتقد الشيخ محمود عاشور ـ وكيل مشيخة الأزهر سابقًا ـ دور المؤسسات الدينية، لافتًا إلى أنها لم تتحرك وبالتالى استشرت الأفكار التى من الممكن أن تقود المجتمع إلى الشر والهوان، داعيا إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن سماحة الإسلام وعدالته. 
وشن وكيل الأزهر الأسبق هجومًا على السياسات الحكومية، لافتًا إلى أن خطر البطالة المتزايد الذى بات يهدد الأخضر واليابس فى المجتمع، مشيرا إلى أن المناخ السائد يدفع الشباب للانحراف. 
وأضاف أن الفساد فى مصر بات يمشى «عريان» بلا خجل. 
ودعا فضيلة الشيخ عاشور إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى مادة اللغة الدينية التى تدرس فى مختلف المراحل وتجديد الخطاب الدينى بما يضمن التأثير على العقل والضمير ووجدان المواطن، كما دعا إلى ضرورة تعامل عناصر الجماعات المفرج عنهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات يشاركون فى شئون المجتمع حتى يضمن عدم عدولهم عن المراجعات. 
ومن جانبه قال د. حسن أبو طالب ـ مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية: إن سطوة البعد الأمنى فى التعامل مع هذا الملف قادت إلى مشكلات معيشية كبرى لأعضاء الجماعات المفرج عنهم، لافتًا إلى أن المجتمع لم يكن مؤهلاً نفسيا أو سياسيا لاستقبالهم لإعادة التعامل معهم باعتبارهم مواطنين يلتزمون بالقانون والدستور ولهم حقوق فى الحياة الكريمة شأنهم فى ذلك شأن أى مواطن، لذا واجه المفرج عنهم مشكلات التكيف مع مجتمع ظل ينظر إليهم باعتبارهم محملين بوزر كبير، ومشبوهين أمنيا، وأن التعامل معهم قد يأتى بمشكلات لا ضرورة لها ومن ثم فإن الانعزال عنهم هو الأنسب. 
وشدد د. أبو طالب على أن الاندماج مسئولية مشتركة بين أعضاء الجماعة ومؤسسات المجتمع ككل، ودعا إلى ضرورة توفير فرص عمل مناسبة تعين أعضاء الجماعة على مواجهة متطلبات الحياة الإنسانية والتزام مؤسسات الدولة بدفع التعويضات التى أقرها القضاء فى أحكام نهائية لأعضاء الجماعة والتى امتنعت عن تنفيذها وزارة الداخلية، بالإضافة إلى إصدار تشريعات قانونية تضمن اعتبار الجماعات الإسلامية جماعة غير حكومية تعنى بالشأن الدعوى منعًا لأى التباس سياسى أو حركى. 
ومن جانبه أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط الدكتور علاء عبدالحفيظ أن مبادرة تنظيم الجهاد الأكثر راديكالية وتشددًا تعد تطورًا مهمًا فى فكر التنظيم.. ولم يكن التوصل إليها أمرًا بالسهل، بسبب أن تنظيم الجهاد ليس جماعة بالمعنى المعروف، لكنهم مجموعات متناثرة كل منها له فهمه وتصوره الخاص فى الدين والحياة، كما ليست لهم مرجعية أو قيادة واحدة يتوجهون إليها ويثقون فيها، لذا فإن إقدام د. فضل على قيادة هذا التيار يعد خطوة شجاعة لوقف كل العمليات القتالية التى تنطلق من مفهوم خاطئ لفريضة الجهاد، واصفًا المراجعات بالتحول الأبرز والأكبر من نوعه الذى جرى فى العالم كله خلال العصر الحديث كون جماعتى الجهاد والإسلامية تعتبران من حيث الحجم جماعات كبيرة، ومن حيث الممارسة العنيفة كانتا الأكثر لجوء إليها خلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى. 
وأضاف أن إعادة دمج عناصر الجماعات المفرج عنهم فى المجتمع يتطلب صياغة استراتيجية متكاملة تأخذ فى اعتبارها أبعادًا متعددة من بينها البعد الاقتصادى والاجتماعى الذى يضمن العمل على إعداد برنامج تشارك فيه الحكومة ورجال الأعمال لإيجاد فرص عمل للمفرج عنهم بهدف إعانتهم على أعباء الحياة، والعناية ماديا من قبل الحكومات بعائلات الأشخاص المراجعين الذين لايزالون معتقلين، لمنع وقوع أفرادها تحت تأثير المتطرفين وضغوطاتهم النفسية، مما يتطلب إعالة أفراد تلك العائلات وتوفير حاجياتهم المادية، وضرورة تدريب غير المتعلمين من شباب المراجعات على إحدى الحرف قبل خروجهم من السجن وضمان حقهم فى العمل الدائم عقب الإفراج عنهم بما يضمن لهم قدرًا ملائمًا من الاستقرار الاقتصادى الاجتماعى، وإزالة الثقافة التى هيأت مناخ التطرف وضرورة إصلاح التعليم وإقامة حوار فكرى جاد وصريح يقوم على تفكيك مقولات هذا الفكر كمفهومى «الحاكمية والولاء والبراء»، بالإضافة إلى دراسة السبل القانونية لتخفيف الأحكام الصادرة بالإعدام ضد بعض قادة التنظيم، لتصفية ملف العنف بصفة نهائية ومن ثم الإفراج عن عدد من قادة وأعضاء تنظيم «الجهاد» المسئول عن اغتيال الرئيس السادات. 
فيما أكد د. كمال حبيب ـ الخبير بشئون الجماعات الإسلامية ـ أن أغلب الشباب والشيوخ من عناصر الجماعة المفرج عنهم ينتمون إلى مناطق فقيرة ومهمشة، وأن معظم تلك العناصر تجاوز حد الإعالة ومن ثم لابد من أن يعتمد على نفسه فى كسب عيشه، كما أن أغلبهم متزوجون. 
فيما طرح د. حبيب عشرة سيناريوهات بشأن احتواء عناصر المراجعات من بينها ضرورة التكيف أولاً مع أسرته، خاصة أولاده الذين حرموا منه لفترة طويلة جدًا وإيجاد فرصة عمل وقبول المجتمع الذى يتعامل معه له دون تحميله أوزار المرحلة التى كان يمارس فيها العنف والتضامن المجتمعى مع محنة المعتقل لمساعدته والتواصل معه، خاصة من قبل الأصدقاء والجيران، بالإضافة إلى تواصل النقابات والهيئات التى يعمل بها المعتقل مع وضعه وتقدير ظرفه كمعتقل أو حتى كمسجون سياسى، وكذلك قيام بعض الهيئات التى تدافع عن حقوق هذه الفئة من المعتقلين وتأهيلهم وأسرهم لضمان احتوائهم وعدم استبعادهم الاجتماعى والتزام وزارة الداخلية بتنفيذ أحكام القضاء بشأن التعويضات التى تصدرها جهات القضاء لصالح المعتقلين بسبب الاعتقال المتكرر والتعذيب، واهتمام المجلس القومى لحقوق الإنسان بتلك الفئة وطرح قضيتهم على الجهات المختصة، وتوجيه بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية جهودها لمساعدة المعتقلين كنوع من العمل الاجتماعى، فضلا عن استيعاب أجهزة الأمن لأهمية احتواء شباب الجماعات فى المجتمع، ودعا «حبيب» إلى تحويل ملف الحركات الإسلامية من ملف تديره أجهزة الأمن إلى ملف تتولاه المؤسسات السياسية بالدولة، وتحكمه قواعد الإدارة السياسية وفق القواعد السياسية والقانون. 
ومن جانبها أكدت د. نورهان الشيخ ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ـ أن المراجعات لها أهميتها على مسار الحركة الإسلامية فى العالم الإسلامى، خاصة فى ظل المحاولات الغربية التى تسعى للصق العنف والإرهاب بالإسلام، وأشارت إلى أن المراجعات تؤكد سماحة الإسلام وأنه ليس بالضرورة أن يقترن فكر الجماعات بالعنف. 
وشددت على ضرورة إحداث توافق وطنى بين التيارات السياسية بما فيها الجماعات التى نبذت العنف، كون ذلك يأتى فى صالح مصر. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من