مرور ثلاثين عاماً على توقيع معاهدة الصلح مع العدو الإسرائيلى دفع المرء إلى أن يعود إلى دفاتره القديمة، ليس من قبيل فعل التاجر المفلس، بل من قبيل تسجيل محطات فى قطار العمر فى بلاط صاحبة الجلالة، أى أنها دفاتر قديمها جديد، أو قل هى وقفات فى شريط الأحداث التى ارتبطت بهذه المعاهدة وأدت إليها، بداية من الزيارة المشئومة للقدس المحتلة فى نوفمبر 7791، ثم مؤتمر كامب ديفيد فى سبتمبر 8791، وصولاً إلى الصلح، وإذا كانت هزيمة يونيو 7691 قد كسرت ظهر العبد لله بل وظهور جيل بأكمله، فإن الثلاثية الساداتية قد أصابت الروح والجسد بعطب لم يبرأ منه يوماً، على الرغم من أن نصر أكتوبر قد داوى بعض الجراح.. ورحم الله الصديق الأعز جلال السيد الذى كان يواسينا حين تتكثف الهموم ونحن نتبادل الرأى حول هذه الأحداث وتطوراتها، بقوله: الحمد لله، نحن بخير، ألا نزال واقفين على أقدامنا، ونمشى، ونرفض، ونقاوم. وعلى الرغم من هذا رحل عنا فجأة دون أن يشكو مرضاً أو علة، كان يختزن همومه، وكانت جراحه عميقة، لم يحتملها قلب كان يفيض وطنية وعروبة وإيماناً بفلسطين وثورتها المسلحة التى ظل سنوات يحرر باباً بهذا العنوان أى «الثورة المسلحة» فى مجلة «الكاتب»، ولم يكن وحده ضحية هذه الأحداث الجسام والتطورات الخطيرة، فقد قلبت حياة كثيرين رأساً على عقب، منهم من تاه (كلمة «تاه» هنا ليست مجازية، بل تعبيراً عن حالات أعرفها)، ومنهم من فقد الطريق، من ضل الطريق، ومنهم من بحث عن طريق آخر للخلاص بعيداً عن الاهتمام بالقضايا العامة الوطنية والسياسية، ومن قبل كان هناك من نقل البندقية -وبكل سهولة- من كتف إلى كتف، بعد انقلاب مايو 1791، وكثيرون من هؤلاء لا يزالون يعيشون بيننا، وفى أرفع المناصب، وإن كان بعضهم يندب حظه، لأنه لم يحصل على ما هو أصل له. وبسبب انكسار الظهر فى هزيمة يونيو، كان حماس المرء بلا حدود لعبور أول جندى لقناة السويس فى ظهيرة السادس من أكتوبر 3791، كان النصر كبيراً ولا يزال، ولا تؤثر فى أهميته الإدارة السياسية للحرب وما تلاها، كان تقدير المرء أن عبور جندى للقناة -وقد كتب هذا قبل الحرب وأثناءها- وثباته فى شرقيها كفيل بتغيير خريطة الصراع مع العدو الصهيونى، ولهذا، كان تقديرى ولايزال، أن الانسحاب الإسرائيلى من سيناء لم يكن وليد تنازلات الرئيس السادات فقط، بل كان أساساً نتيجة لما لقيه العدو فى حرب أكتوبر التى لم يكن يتوقعها. اندلعت الشرارة المقدسة لحرب أكتوبر المجيدة بعد أسبوع واحد من إعادة عشرات من الصحفيين من منفى الفصل والنقل إلى هيئة الاستعلامات نقلاً صورياً، وقاد العائدون العمل فى صحفهم طوال أيام الحرب، كانت كتيبة العمل فى «الجمهورية» لا تغادرها إلا ساعات، ومع ذلك فإن الذين فى قلوبهم مرض ظلت ألسنتهم حداداً على العاملين ليل نهار، وحين ألقى الرئيس السادات خطابه فى مجلس الشعب فى 61 أكتوبر وتحدث فيه عن أن مصر أصبح لها درع وسيف، كان على أن أكتب افتتاحية «الجمهورية»، وكانت افتتاحية حماسية تحية للمقاتلين وللخطاب.. وحين أويت إلى فراشى فى تلك الليلة وجدتنى أستعيد كلمات الخطاب والتعليق عليه، وأحسست أن هناك فقرة كاشفة كان يجب أن تحد من حماسى للخطاب الذى تحدث لأول مرة علناً عن الثغرة، وأعنى بذلك قول الرئيس السادات «........... أحارب أمريكا»، ويومئذ لم ................ سر الخطابات المرسلة إلى «هنرى كيسنجر» وزير خارجية أمريكا، والتى بدأت بعد ........... من نشوب الحرب، وتوالت الأحداث إلى أن جاءت ليلة 42 أكتوبر ............ وبينما كان السادات -بشهادة السيد حافظ إسماعيل مستشاره للأمن القومي- يستطيع أن يقلب الموقف ضد العدو، إلا أنه خرج بخطاب يطلب النجدة!! وتوقف القتال، وجرى فض الاشتباك الأول، وجاء فض الاشتباك الثانى الذى كان تمهيداً حقيقياً لخطوات الصلح، ثم كامب ديفيد وأيام الثلاثة عشرة، وفى اليوم الأخير، وفى ليلة 61 سبتمبر 8791، كانت الأنباء متضاربة، هل سيتم التوقيع أم لا؟! فأصدرت الصحف أكثر من 3 طبعات، وعند منتصف الليل كان واضحاً لى أن التوقيع سيتم أياً كان مضمون ما سيتم توقيعه، وعندئذ لم أستطع الاستمرار فى السهر، واستأذنت الزميل ناجى قمحة مسئول السهرة فى الانصراف، وأنا أؤكد له أنه سيوقع، ولم يعد يملك إلا أن يوقع، وقد كان، وعندئذ لم أجد لدى قدرة أو استعداداً للاستمرار فى الإسهام فى كتابة افتتاحية «الجمهورية»، التى كان لابد أن تشيد وتواصل الإشادة بهذا الإنجاز، وترد على من يهاجمونه، وأبلغت ذلك إلى الأستاذ محمد الحيوان -رحمه الله- مساعد رئيس التحرير ورئيس التحرير الفعلى فى غياب الأستاذ محسن محمد الذى كان يغطى مباحثات كامب ديفيد، وعند عودته، كان هذا من أول الأنباء التى أبلغوه بها، وفى لقاء على انفراد فى مكتبه، سألنى الرجل بهدوء: هل صحيح امتنعت عن كتابة الافتتاحية؟.. أجبته: نعم، لم يزد على أن طلب منى أن يظل هذا «بيننا».. ضحكت، وقلت له إن من أبلغوك فور عودتك قد أبلغوا كثيرين لا يخفون عليك.. وأنت تعرف أن العبد لله لا يزايد بمواقفه.. وقد أمَّن الرجل على ذلك، وظلت علاقتى معه على خير ما يكون، إلى أن رحلت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة فى مايو 9791، أى بعد حوالى شهرين من توقيع معاهدة الصلح، كانت الأجواء عندئذ خانقة ولا تطاق، وكان لابد من الرحيل، وفاتحنى أستاذى محمد عودة -رحمه الله- فى أن أذهب إلى لندن للعمل فى مجلة «32 يوليو» التى كان يستعد لإصدارها الأستاذ محمود السعدنى -شفاه الله- كما تلقيت فى الوقت نفسه دعوة من الأستاذ أحمد نافع -رحمه الله- للعمل فى صحيفة «الفجر» فى أبو ظبى، بناء على ترشيح بعض الأصدقاء. كان الرحيل شاقاً على، ولم أكن أتصور أنى سأعيش خارج مصر أكثر من سنة أو سنتين، أو إلى أن يرحل السادات عن الحكم، أيهما أولاً.. هكذا أضمرت فى نفسى، ولكن السنة امتدت إلى أكثر من 01 سنوات، ولذلك فإن جرح معاهدة الصلح فى القلب جرح مضاعف، جرح الصلح مع عدو مصر والخطر الأكبر عليها، وجرح الخروج من مصر.. مع إيمانى بأن كل بلاد العرب أوطاني.