المشتغلون بالسياسة، علماء ممارسة يعرفون الكثير ولا شك عن نظرية المؤرخ البريطانى الشهير أرنولد توينبى وعنوانها: >> التحدي.. والاستجابة بمعنى أن الشعوب ـ لها استجابات متباينة إزاء ما قد يواجهها من تحديات ـ ومن ثم تختلف الاستجابة عمقا وجسارة ـ صمودا وفعالية حسب نوعية الشعوب وأصالة ثقافتها وعمق تجربتها.. ولعل الفارق فى هذا كله تلخصه عبارة واحدة هي: >> نوعية القيادة باعتبار أن قيادة أى أمة هى القادرة على حشد طاقات الأمة وتعبئة مواردها البشرية والمادية وبلورة أحلام الأمة وإثارة نخوة أجيالها حتى تأتى الاستجابة ـ كما ألمحنا ـ على قدر التحدى بل وترتقى بها كى تسجل الأمة لنفسها مآثر وإنجازات حقيقية فى دفتر التاريخ. شعوب وأمم شتى عاشت هذه المعادلة التى بدأت بالتحديات الشرسة المطروحة أمامها.. ونجحت فى امتحان الصمود بفضل ما توافر لها من قيادات نبعت من صميم صفوفها وتميزت بقدرات دينامية مكنتها من تحريك طاقات شعوبها فكانت الاستجابة بمثابة قيمة مضافة إلى تاريخ الأمة. وليس فى زماننا من تحديات أشد قسوة وشراسة من أن تقوم قوة عاتية كبرى بفرض حصار ـ اقتصادى بالذات على شعب ـ على قد حاله ـ من شعوب العالم الثالث. والأمثلة كثيرة ـ وبالغة الدلالة فى آن معا: كوبا مثلا جزيرة صغيرة فى مياه الكاريبى حوّلتها الثورة الشعبية بقيادة فيديل كاسترو من ساحة قمار واستراحة لهو وعبث واسترخاء لأباطرة المال وبارونات الأعمال الأمريكان إلى دولة لاتينية صغيرة ولكن شديدة الاعتداد بالخط السياسى والنهج الإيديولوجى اليسارى الذى اختارته لنفسها. فى عامنا الحالى تكمل كوبا خمسين عاما من حصار اقتصادى خانق وشامل فرضه على شعبها 10 رؤساء أمريكان بين حقبة أيزنهاور عام 1959 إلى حقبة أوباما الحالية. عانت كوبا وذاقت المرّ وجربت آلام الحرمان لدرجة أن منعوا عنها إمدادات الطاقة بعد سقوط حليفها الأكبر فى الاتحاد السوفيتي، فعادت عاصمتها هافانا إلى استخدام الثيران أحيانا فى جر المركبات. مع ذلك فلم تركع كوبا.. بل ارتفعت بفضل قيادتها ـ التاريخية بحق ـ إلى مستوى التحدى المفروض.. ولم يكن الأمر مجرد رفض نابع من مكابرة ولا صمود قائم على مطلق العناد: بالعكس ـ جهدت كوبا فى استعراض وفرز مكامن قوتها فاكتشفتها فى مجال حيوى ومحورى اسمه "التعليم" وهكذا وسط الحصار الخانق محت كوبا أمية شعبها بالكامل.. ثم كافحت باستماتة لكى تنهض بمستوى قطاعات بعينها فى مجال التعليم العالى وبخاصة فى ميدان الوقاية والطب والعلاج. النتيجة ـ وهو ما شهدت به أوساط أمريكية رصينة.. أن مستوى الصحة العامة فى كوبا أفضل منه فى نيويورك نفسها أو أن كوبا استطاعت إعداد وتخريج أجيال من الأطباء المقتدرين الذين حققوا نجاحات ـ تصفها جريدة "نيويورك تايمز" بأنها اختراقات بمعنى فتوحات فى مجالات علاج وباء الإيدز اللعين.. ولدرجة أن أصبح لديهم إنجازات علمية مرموقة يتطلع العالم إلى التعلم منها.. ولدرجة أن تمكّنوا من إيفاد بعثات طبية مقتدرة إلى العديد من أقطار إفريقيا. خمسون عاما من تحديات حصار الجبار للضعيف الذى نجح فى امتحان الصمود رغم حملات التشكيك والزراية والاستهانة فضلا عن مؤامرات الإفساد السياسى والغواية السلوكية ومحاولات التخريب التى ظلت تمارسها أجهزة الاستخبارات. أكثر من هذا: أصبحت كوبا نموذجا يحتذي، لا فى الصمود وحسب، ولا فى مجابهة التحديات فقط، ولكن أيضا فى مجالات التنمية المستقلة المعتمدة على النفس، لا بمعنى المعزولة عن إقليمها ـ ولكن بمعنى القادرة بل والحريصة على التفاعل مع سائر دول الجوار.. سواء فى منطقة أمريكا الوسطى ـ البحر الكاريبى أو على صعيد قارة أمريكا اللاتينية بأسرها. هذا النموذج أصبح له مشايعوه ما بين شافيز فى فنزويلا إلى موراليس فى بوليفيا.. ومن قبل كان الساندانيستا فى نيكاراجوا.. فضلا عن قيادات كلها تعتمد خط اليسار الوطنى الذى قد لا يرفض صداقة واشنطون ولكنه يرفض بالقطع وصايتها، ناهيك عن تسلطها أو حصارها.. وفى هذا الإطار تندرج قيادات من طراز سيلفا دى لولا فى البرازيل والسيدة باتشيل فى شيلي. صحيح أن الزعيم كاسترو اضطره التقدم فى السن إلى الركون لنوع من العزلة.. لكن الصحيح أيضا أن زعيما بازغا فى البيت الأمريكانى الأبيض اسمه أوباما يحاول أن يتلمس خطاه فى قدر ملحوظ ومحمود من التعقل إزاء العلاقة بين واشنطون وهافانا. بعد أسبوع يلتئم عقد زعماء الولايات المتحدة ودول الكاريبى وأمريكا اللاتينية فى دولة ترينداد ـ توباجو. وفى معرض التمهيد لهذا اللقاء الذى سيمثل شعوب نصف الكرة الغربي، أعلن البيت الأبيض مؤخرا عن اتجاه جديد بكل معنى يشير إلى رفع قيود حظر السفر إلى كوبا.. بل ويرفع أيضا القيود التى ظلت تمنع أى تحويلات مالية من ذوى الأصل الكوبى فى أمريكا إلى عائلاتهم فى الجزيرة الصغيرة المشاغبة. ويستعد الكونجرس فى الفترة الحالية للموافقة على مثل هذه القرارات مع توسيع آفاقها وزيادة مرونتها وهو ما وصفته أوساط مقربة من الرئاسة الأمريكية الجديدة بأنه "إشارة إلى أجواء قادمة من الدفء الكفيل بأن تتسم به العلاقات مع نظام كاسترو فى كوبا". ومرة أخرى يعرف المشتغلون بالسياسة، علما وممارسة، نظرية القيادة عند المفكر الألمانى الشهير "ماكس فيبر" ويدركون ـ بيقين ـ أن أفشل وأوخم النوعيات فى هذا المضمار هى طراز القيادة البيروقراطية.. هذا النمط من ولاة الأمور الذين يمسكون بصولجان السلطة فإذا بهم يتبعون نهج المشى جنب الحيط. واعتبار أن الاستمرار فى كرسى السلطان هو غاية المراد.. ويحاولون أو تحاول أبواقهم "تدليع" الجمود بأنه استقرار. وهم يمارسون لعبة الحكم يوما بيوم.. يفتقرون لأى رؤية وتوجعهم دعوات النهضة ويشعرون بالتصاغر أمام الأطراف الخارجية الأقوى ويواصلون خطاهم على خط مستقيم مرسوم.. بغير مبادرات ولا ابتكارات ولا إبداعات.. بالمناسبة ـ نحن لا نتناول حاكما بعينه فى دنيا اليعاربة الميامين ـ فالكل فى الهمّ شرق.. خائب بكل مقياس. وما عليك إلا أن تستعيد كما استعدنا وقائع مظاهرة الدوحة التى حملت لقب "القمة"، وأسفرت عن نموذج بالغ الدلالة من حيث خيابة المسعى وهيافة النتائج وتعاسة المآل.. والكل مسئول عن ذلك: يستوى فيه الذين حضروا القمة أو الذين تغيبوا عن حضورها.