فى ذكرى قيام الوحدة بين شطرى اليمن ارتفعت أصوات تخللتها إنذارات بالانفصال، هنا ينبغى التوقف أمام ثلاث ملاحظات/مفاتيح ضرورية: أولها: لم تكن الوحدة بين قطرين فى حاجة للتمهيد أو التعبئة واستيعاب الخصوصية، بل كانت بين شطرين لقطر واحد فصلهما محتل رحل ونظامان استمدا شرعيتهما من الإعلان عن سعيهما الدءوب لعودة الأمر الطبيعى، إن انفصال الشطرين كان اقرب إلى قرار إدارى والخلافات داخل الوحدة تكمن فى الإدارة، فالفساد والمحسوبية وسوء توزيع الثروة هى إدارة اقتصادية، لذا عندما عبر الغضب الشعبى عن نفسه فى مظاهرات 1991 كان بالعاصمتين ـ صنعاء وعدن ـ وكذلك مظاهرات الخبز 1992عمت تعز وصنعاء ومدن أخرى، ولسوء الحظ أن أحداث الخليج الأولى والثانية وآثارهما الاقتصادية والأزمة المالية العالمية أتت متزامنة مع الوحدة. إن مسالة الشطرين والقرار الإدارى تعنى أن الحلول ممكنة وأنها مسالة داخلية ولا تستدعى الحديث عن التفتيت مرة أخرى، فالسيناريو القائم منذ مشروع بوش الابن هو تفتيت المجزأ والمنزوع من أمته أى تجزئة القطر الواحد وأمامنا نموذج الصومال والسودان الخ. ثانيها: لم يكن هناك خلاف فكرى أو عقائدى بين الشطرين لا يمكن أن يزول أو هو قابل للانفجار باستمرار، فالمجتمع اليمنى ينقسم على أساس المذهبية الدينية إلى 56% يدينون بالمذهب الشافعى و44% بالشيعة الزيديين، إلا أن السياق العام للفكر الدينى يكاد يكون متوافق ومتفق على بعض الأسس والمنطلقات. كانت الخلافات الفكرية/ السياسية بين الحزبين الحاكمين بصنعاء وعدن قبيل الوحدة، ووصل فى بعض المراحل للصدام المسلح بين الجيشين، ثم أتت الوحدة لتطرح قضية موقف الحزبين من الصياغة السياسية الجديدة، وطرحت قضية التعددية كمدخل لحل هذه الإشكالية والأزمة الديمقراطية، وفى 1993 اعتكف على سالم البيض بصنعاء رفضًا لأسلوب المراوغة ولضغوط شريكيه الأقوياء بالحكم على حد تعبيره آنذاك، وكان اعتكافه فتلويحه بورقة الانفصال قد شكلا أداة ضغط على كافة القوى السياسية اليمنية لتتحرك من أجل الحفاظ على الوحدة (مع وجود جيشين وعلمين وحزبين..الخ..). ثالثها: إن الثقافة الزبدية التى اقتربت من الشافعية وعبر العقلانية المعتزلية تمايزت بفكرة الخروج على الحاكم الظالم فزرعت بذرة الثورة والتغيير فى الذهنية اليمنية، وإذا كانت الشورى والحوار والمجتمع السياسى المفتوح إحدى نتائج القبلية، فإن الوجه الآخر للقبلية تمثل فى استقلاليتها وعدم خضوعها لأى نظام سياسى إلا بما يتوافق مع تطلعاتها، إن القبلية كقاعدة اجتماعية بارزة تنقسم مهنيا وعائليا، والمذهبية كبعد عقائدى تاريخى توحيدى ثورى لا يمكن تجاهلها فى الثقافة السياسية اليمنية سواء بالحكم أو المعارضة، ولا يمكن التعامل معها بعقلية انفصالية/ انشطارية بل يجب أن تكون توحيدية/ تركيبية. وهذا حديث آخر ممتد عربيا.