12-07-2010     11206

 


 

آخر زمن


محمد الخولي


 

يقول ابن الرومي: 
لم يخلق الدمع لامرئ عبثا 
الله أدرى بلوعة الحزن 
أجل.. الله أدرى وأعلم. الحزن شيء خاص وجليل فما بالك عندما يكون مرتبطا بألم الفقد ولوعة الفراق. لهذا روعت أفئدة المصريين فى الداخل والخارج إزاء المصاب الذى كابدته أسرة رئيس الدولة وهو شعور عفوى وشمل كل طبقات المجتمع بغير استثناء. 
المشكلة أن طالت هذه المشاعر الطبيعية.. النبيلة شوائب الملق المبتذل والنفاق السوقى الرخيص التى حفلت بها ميديا الإعلام الحكومى المكتوب والمذاع على رؤوس الأشهاد. 
هكذا تابعنا الأقلام التى تحدثت عن رحيل إبراهيم بن النبى محمد عليه السلام ـ والمقالات التى تركت هول المصاب لكى تتغنى بمآثر الرئيس الأب وأياديه البيضاء بالإحسان إلى كل فرد فى هذا الوطن وبعدها تتوالى السطور متمدحة بأفضال السيدة الفاضلة وعبقرية الابن الفاضل.. إلى آخر ما جادت به ثمار الملق الرخيص ناهيك عن مظاهرات الحداد العمومية المعلنة فى ملاعب الكرة وعلى شاشات التلفاز وبين سطور النهنهة المصطنعة فى المقالات المتهافتة التى لم يكن الجد المكلوم وأسرته الصغيرة المحزونة حقا بحاجة إليها من قريب أو بعيد. 
ورغم تأثرنا الإنسانى الشديد.. إلى حد دموع إشفاق ذرفناها فى الغربة إزاء رحيل ملاك بريء قبل الأوان.. إلا أن هذه "المحزنة" التى حاولوا اصطناعها و"المندبة" التى نصبوها حولت جلال التراجيديا فى هذا الحدث المفجع إلى ميلودراما لا تليق من حيث الشكل أو المضمون. 
هنالك يحق لنا، ونحن نشارك صادقين فى شعور أسرة مصرية محزونة أن نتساءل بنفس الصدق مع النفس ومع الحقيقة: 
** لماذا لم تتدفق هذه الشلالات من الحزن المعلن عندما فقد الوطن عشرات العشرات من الفقراء والبسطاء فى قطار الصعيد؟ أو عندما تحوّل قصر ثقافة فى محافظة إقليمية إلى محرقة سعير أودت بحياة زهرة من فنانى المحروسة ومبدعيها؟ أو عندما طوت أمواج البحر وما زالت تطوى عشرات من أبناء الوطن.. ما بين عبّارة متهالكة يملكها متنفذون إلى قوارب الضياع المهترئة التى يملكها تجار الموت باسم الهجرة إلى سواحل أمل لا يتحقق.. فما بالك وأنت تسمع وتقرأ عن حوادث انتحار أفراد من زهرة شباب الوطن لضيق ذات الرزق أو ضيق ذات العمل الذى أصبحت فرصه المعقولة حكرا على القادرين أو إرثا تستأثر به دون ميزة أو رحمة أفواج المحظوظين. 
 
صدقى سليمان 
رغم اختلافات شتى واسعة المدى تفصل بيننا فى الرأى والرؤية وبين الأستاذ مفيد فوزى، إلا أننا نحمد له بالتأكيد إشارته المضيئة حقا فى أحدث مقالته إلى اسم رجل عظيم هو الآن بين يدى مولاه وهو المرحوم المهندس محمد صدقى سليمان.. وقد جاءت هذه الإشارة أو فلنقل الإشادة فى أوانها.. أى فى العيد الخمسين لبدء العمل فى السد العالى الذى ما زال بامتياز يصدق عليه وبحق وجدارة موضوعية وصْف المشروع القومى الذى قاده العم عبدالناصر العظيم ومن حوله ـ لا نقول من خلفه ـ قوى شعبنا بكل قدراته وإبداعاته وأصالته ونضالاته ابتداء من معارك استرداد قناة السويس إلى معارك النضال العروبى القومى فى ساحات شتى وهى التى أكدت مكانة مصر العربية ومن ثم أتاحت لها دعما متكافئا على أساس من الندية والاحترام المتبادل مع الاتحاد السوفيتي. 
كاتب السطور ما زال يعتز خلال مرحلة العمل الإعلامى الباكرة فى إذاعة باهرة هى "صوت العرب".. حين أتيح للفقير أن يدخل إلى أنفاق السد العالى ويسجل ما يمكن وصفه بدقة حَرْفية بأنه ملاحم العمل والتنمية والبناء. 
يا الله! هاهم العمال.. الأسطوات.. المهندسون.. من أبناء الصعيد والنوبة وسائر أنحاء الوادى الطيب ـ يتعاملون مع الجرانيت ويحولون مجرى النهر الخالد.. ويتفاعلون عن سماحة وثقة فى الله والنفس والقائد والمستقبل مع المهندسين والخبراء القادمين من روسيا. 
هذه الملحمة التى دقت نواقيسها فى كل بيت فى مصر وفى كل أنحاء الوطن العربى الكبير على مدار عقد الستينات كان لها قائدها العظيم المقيم فى أسوان: ما زالت صورته الجليلة ماثلة فى الذاكرة بعد هذا العدد من السنين.. قامته الفارعة.. جدّيته التى تخفى عطفا وحدبا على جموع الشغيلة العاملين، قبعة الباش مهندس المعدنية التى تستر الرأس الشامخ وسط هجير أسوان اللافح: محمد صدقى سليمان.. الضابط المهندس الذى عينه عبدالناصر وزيرا للسد العالي.. وقوّضه عبدالناصر بكل سلطات رئيس الجمهورية لكى يباشر مهمته من أشرف موقع وهو موقع العمل الميدانى لإنجاز الصرح المائى التنموى العظيم. وقد أنجز الرجل فى صمت.. وأتم المهمة على نحو أكمل ما يكون.. واختاره الزعيم من بعد رئيسا للوزارة. 
وحين أصبحت الدنيا غير الدنيا مع زمن السادات كان طبيعيا أن يغيب صدقى عن الصورة.. ولا عجب فقد احتلها أنيس منصور وشاه إيران ومناحيم بيجين.. وسائر الطغمة من "ألاضيش" السادات والمنتفعين من ورائه.. 
خمسون عاما ـ يا مولانا ـ على بدء مشروع السد العالي.. بين شموخ الذكرى نستعيد بالامتنان إبداعات صديقنا الجميل عبدالرحمن الأبنودى عن "حراجى القط ورسائله إلى العزيزة فاطنة".. نستروح عطر صلاح جاهين وأحمد شفيق كامل وكمال الطويل وعبدالحليم.. وهم ينشدون للعمل والإنجاز الذى تم واستوى خيرا للبلاد وبركة على العباد. لكن بالإكبار نذكر عرفانا وترحما أسماء رجال ما زال الوطن الحقيقى يلهج بعطائهم وما زال فرضا على أجيالنا أن تحيى ذكراهم وتعرف لهم مآثرهم.. 
نكتب هذه الكلمات من نيويورك.. ولا ندرى أى طائف هجين.. أتى على الخاطر يطيف ذلك المواطن الغريب الذى أعلن يوما أن الحنين فى بطن الست والدته يؤيد الرئيس مبارك فى الانتخابات: هذا المواطن إياه ـ ويقال إنه يحمل وقرا من الدرجات العلمية لم يطرأ على بال سيادته يوما أن يقترح تكريم أسماء من قبيل: إبراهيم زكى قناوي.. عصمت الحبروك.. أمين آدم.. ويليام زكى قلادة.. فضلا عن عشرات العشرات ممن تشرف ذاكرة الوطن بأسمائهم وممن كرّم أنفسنا وأخلاقياتنا إذا ما كرّمنا ذكراهم: مواكب مضيئة من عاشقى المحروسة وجالبى الخير لها ولأجيالها.. على رأسهم محمد صدقى سليمان.. عليه وعليهم ألف رحمة ونور. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من