12-07-2010     11206

 


 

دنيا


أحمد عبدالحفيظ


 

حصول سيد القمنى على جائزة الدولة التقديرية يقطع فى فقد جوائز الدولة المصرية لقيمتها ومعناها، وأن المتحكمين فى منح هذه الجوائز أصبحوا مجرد شلة، إما أنها تتلقى أوامرها من جهات رسمية، أو أنها فى أحسن الأحوال تعمل آراءها وتوجهاتها الخاصة بلا أدنى اعتبار لأى آراء أو توجهات أخري.. إنه دليل آخر على حجم ما وصلت إليه مصر من تراجع فى ظل النظام السياسى الحالي.. الجوائز المحترمة فى أى مكان فى الدنيا تمنح لذوى القيمة والحيثية الحقيقية المعترف بها فى المجتمعات التى تمنحها.. وهى لا تمنح لهذا السبب وحده بل يجب أيضًا أن تذهب الجائزة تقديرًا لمن يبشرون بقيم تقدرها المجتمعات المانحة وتحميها.. ولا يستطيع ما يسمى بالمجلس الأعلى للثقافة ولا غيره من الشلل والجماعات التابعة لـ «فاروق حسني» وأجهزة وزارته أن تزعم أن هذا الهراء الذى يسوقه القمنى فى تلفيقاته هو من قبيل الأعمال العلمية التى تستحق أدنى قدر من الاعتبار.. يكفى ما ساقه فى أحد كتبه عن قيام حزب هاشمى سابق على ظهور الإسلام، وأن هذا الحزب هو الذى دبر دعوة الإسلام وساند رسولها مستهدفًا توحيد عرب الجزيرة تحت لواء قريش.. هراء لا يتصوره عاقل يدرك حقيقة أن المجتمع القبلى البسيط الذى قام بـ «مكة» عند ظهور الإسلام لا يمكنه قطعًا أن يفرز مثل هذه الدرجة من التنظيم والتخطيط.. ومع ذلك فقد قدرت الشلة التى تمنح الجائزة هذا الهراء وأمثاله مما تعج به مؤلفات القمنى هو مما يستحق «جائزة الدولة التقديرية».. أما من ناحية المضمون فلا أظن أن أيضًا من أعضاء هذه الشلة والمنتفعين بهم يمكنه أين يتجرأ فيزعم أن ما تمتلئ به مؤلفات القمنى من سخرية واستهزاء بجميع الأديان والأنبياء والرسل، هو من القيم التى يحميها المجتمع المصرى أو يقدر الداعين إليها والمروجين لها ويرضى بمنحهم جوائزه!! 
وحتى لا تثور علينا جوقة المجلس إياه فإننا نعيدهم إلى تصريحات نجيب محفوظ عقب حصوله على جائزة نوبل فى الأدب، والتى كان يؤكد فيها على طول الخط أن سبب منحه للجائزة يرجع لكونه من المؤمنين بـ والداعين لـ «قيم الحضارة الغربية».. كان نجيب محفوظ صادقًا مع نفسه ومدركًا بوعى حقيقى أن قامته الأدبية لم تكن السبب الوحيد لمنحه الجائزة لولا وجود السبب الثانى الذى ذكره بصراحة. 
من ناحيتنا فإننا نعى تمامًا أن إيمان نجيب محفوظ بما أسماه قيم الحضارة الغربية وإخلاصه فى الدعوة لهذه القيم لم يكن سيكفى لمنحه الجائزة لولا قامته الأدبية الشامخة.. ولولا استقرار مشروع الاستسلام العربى لـ «إسرائيل»، وهو المشروع الذى كان محفوظ من أشد مؤيديه، ولعل ما ورد فى براءة منح الجائزة يبين صدق ما قاله نجيب محفوظ إذا أوردت هذه البراءة بشكل صريح أن الجائزة قد منحت لرواية «أولاد حارتنا» بسبب ما تضمنته هذه الرواية عن فكرة «موت الإله».. فإذا تذكرنا أن جائزة نوبل للأدب تمنح للأعمال الأدبية التى تحمل قيم المجتمع المحلى إلى الآفاق العالمية لتبين لنا كيف أن مانحى الجائزة العالمية الكبرى قد حاولوا الإيهام بأن فكرة «موت الإله» هى فكرة تعبر عن قيم المجتمع المصري. 
لسنا أبدًا ضد أن يعبر القمنى وأمثاله عن آرائهم كما يحبون ويعتقدون وأن ينشروها بكل وسائل النشر المتاح.. كما أننا ضد أى محاولة لحرمانهم من هذا الحق سواء من خلال جرجرتهم إلى المحاكم والنيابات، أو تهديد أمنهم الشخصى والعائلى بأى من أنواع التهديد.. ولعله لا يفوتنا أن نذكر كل المتعصبين والمهووسين بما كان عليه حال الكثيرين ممن أصبحوا ـ لاحقًا ـ فى عداد المفكرين والدعاة ـ بل المجاهدين ـ الإسلاميين.. على سبيل المثال فقد كان الأستاذ عادل حسين ـ رحمه الله ـ والدكتور مصطفى محمود ـ أمد الله فى عمره ـ من غلاة المتطرفين الماركسيين المنكرين للأديان الجاحدين علنًا لوجود الله عز وجل.. فلعل من يعتبرون أنفسهم حماة الدين والعقيدة أن يتأملوا حقيقة أنه مادام باب التوبة مفتوحًا حتى الموت فإنه لا حق لأحد أن يعتدى على حياة أحد مهما كان.. أما حق المجتمع فله مؤسساته التى تحميه. 
ولا يمنعنا الحديث المتقدم عن إدانة أولئك الذين يدافعون عن حرية الرأى والتعبير من خلال الإرهاب الفكرى المضاد الذى يمثل استهزاء بعقول الناس وإلغاء لحقهم فى فهم ما يعتقده كل مؤلف أو كاتب أو صاحب رأى من خلال ما يعرضه من أفكار وآراء.. من حق قراء القمنى أو غيره أن يروه خارجًا عن الإسلام كافرًا بالأديان.. بالضبط كما أن من حق الماركسيين أن يروا كل من يهاجم الماركسية عدوًا لهم وخارجًا عليهم ولو كان ماركسيا سابقًا، ومن حق الناصريين أن يعتبروا أن من يهاجم جمال عبدالناصر هو عدو للناصرية حتى لو كان من أولئك الذين أخلصوا الولاء لها فى زمن فات.. ولسنا نؤمن بهذا الهراء الذى يفرق بين العقيدة الدينية والأفكار السياسية مادام أن صاحب الرأى قد اختار مجال العقائد الدينية ليكون ميدانه الذى يظهر منه على الناس.. والعقائد الدينية لا تحتمل إلا وجوهًا ثلاثة هى الإيمان والكفر وبينهما النفاق. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من